كتاب "10 خرافات عن إسرائيل": التاريخ كمعركة على المعنى

كتاب "10 خرافات عن إسرائيل": التاريخ كمعركة على المعنى

ايلان بابيه
تحميل PDF
3
مشاهدة
1
تحميل
0
إعجاب
0
مشاركة
ملخص الكتاب

الكثير مما نعتقد انه “حقائق ثابتة” ليس سوى سرديات مكررة صيغت لتبرير واقع سياسي قائم. من فكرة الارض الفارغة، الى اسطورة الديمقراطية، الى تبرير الحروب بوصفها ضرورة اخلاقية، تتكشف الخرافات كادوات قوة ناعمة تعيد تشكيل الوعي قبل ان تعيد تشكيل الارض. تفكيك هذه الخرافات لا يغير الماضي فقط، بل يحدد كيف نفهم الحاضر، ومن نمنحه التعاطف، ومن نطالبه بالصمت.

عن الكتاب

في كتابه 10 خرافات عن إسرائيل يقدم المؤرخ إيلان بابيه عملا تفكيكيا يهدف إلى زعزعة "البداهات" التي رسختها سرديات سياسية وإعلامية طويلة الأمد. لا يتعامل بابيه مع الخرافة باعتبارها كذبة فجّة، بل بوصفها إطارا تفسيريا مختصرا يسبق الوقائع ويقود فهمها، فيحوّل التاريخ إلى مسلّمات، ويمنح سياسات الحاضر شرعية أخلاقية جاهزة. لذلك جاء الكتاب على هيئة عشر خرافات مرتبة زمنيا، تبدأ من صورة المكان والناس قبل 1948، وتمتد إلى حرب 1967، وأوسلو، وغزة، وصولا إلى أفق الحلول، لتؤكد أن الصراع ليس مجرد أحداث متفرقة، بل منظومة سردية متكاملة.



الخرافة الأولى، "فلسطين كانت أرضا فارغة"، تشكل المدخل الأقدم والأكثر تكرارا. يفكك بابيه هذه العبارة بوصفها عملية محو رمزي تسبق المحو المادي: حين يُصوَّر المكان كفراغ، يصبح سكانه هامشًا في القصة، ويمكن تجاهل وجودهم دون شعور بالذنب. يذكّر القارئ بأن فلسطين قبل نهاية القرن التاسع عشر كانت تضم مدنا وقرى واقتصادا محليا وعلاقات اجتماعية، وأن تحويلها إلى "فراغ" لم يكن توصيفا بريئا، بل ضرورة سردية لتبرير مشروع استيطاني. ومن هنا تتصل الخرافة الثانية، "اليهود شعب بلا أرض"، التي تختزل تاريخا يهوديا متنوعا في رواية قومية واحدة، وتحول الاضطهاد الأوروبي الحقيقي إلى حجة سياسية تمنح حقا حصريا في مكان بعينه. لا ينفي بابيه المعاناة، لكنه يرفض تحويلها إلى مفتاح سيادة يلغي وجود مجتمع آخر.



تأتي الخرافة الثالثة، "الصهيونية هي اليهودية"، لتكشف آلية لغوية-سياسية شديدة الفاعلية. يميز بابيه بوضوح بين اليهودية كدين وهوية متعددة المسارات، وبين الصهيونية كأيديولوجيا قومية حديثة. وظيفة الخلط، كما يشرح، مزدوجة: تحصين المشروع السياسي من النقد عبر منحه غطاء دينيا/هوياتيا، وتجريم أي نقد للصهيونية بوصفه عداء لليهود. بهذا المعنى، لا يناقش بابيه مسألة فكرية مجردة، بل يفضح "اقتصاد الاتهام" في المجال العام، حيث تتحول الكلمات إلى فخاخ أخلاقية.



الخرافة الرابعة، "الصهيونية ليست استعمارا"، تمثل قلب أطروحة الكتاب. يميل بابيه إلى توصيف المشروع باعتباره استعمارا استيطانيا، لا مجرد حركة تحرر قومي. أهمية هذا التوصيف أنه يحدد طبيعة البنية التي تشكلت: إعادة تنظيم الأرض والسكان والقانون على نحو يخدم جماعة واحدة. هذا التعريف ليس لغويا فقط، بل سياسي وأخلاقي، لأنه يغيّر زاوية النظر إلى ما تلاه من تهجير وسيطرة وحدود. ومن هنا يصل إلى خرافة 1948، "الفلسطينيون غادروا طوعا"، حيث يرفض رواية "الخروج الطوعي" ويضعها في سياق حرب وعنف وخوف وسياسات تفكيك اجتماعي. بالنسبة له، تحميل الضحية مسؤولية خروجها هو أحد أنماط تنظيف الذاكرة السياسية، وتحويل مأساة جماعية إلى قرار فردي.



في خرافة حرب يونيو 1967، "حرب بلا خيار"، لا ينكر بابيه وجود مخاوف أمنية في تلك اللحظة، لكنه يعترض على تحويلها إلى قدر يمنع التفكير في نتائج الحرب بوصفها سياسة توسع طويلة الأمد. حين يُقال "لا خيار"، تصبح السيطرة اللاحقة أمرا دفاعيا لا يقبل النقاش. بهذا المعنى، لا يهاجم بابيه الحدث العسكري فقط، بل الإطار الأخلاقي الذي حوّل نتائجه إلى بديهية. ثم ينتقل إلى خرافة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ليعيد تعريف الديمقراطية من كونها إجراءات انتخابية إلى كونها مساواة في الحقوق. يسأل: لمن تُمارس الديمقراطية؟ وماذا عن من يعيشون تحت السيطرة دون سيادة أو حقوق متكافئة؟ يرى أن الشعار يعمل كأداة مقارنة سريعة موجهة للجمهور الغربي، تضعف النقد وتحوّل أسئلة الحقوق إلى تفاصيل مزعجة.



تتحول الخرافات في النصف الثاني من الكتاب من تاريخ التأسيس إلى إدارة الصراع. في "خرافات أوسلو"، يقدم بابيه قراءة نقدية لعملية السلام بوصفها إطارا أدار الصراع بدل حله، عبر مفاوضات غير متناظرة سمحت باستمرار الوقائع على الأرض، بينما تقدم خطاب "السلام" في الصورة. هنا تكمن المفارقة: ليست الخرافة أن أوسلو نجحت أو فشلت، بل أن العملية نفسها اكتسبت قداسة جعلت نقدها يبدو كأنه رفض للسلام. وفي الخرافة التاسعة، "الأكاذيب التي نقولها عن غزة"، ينتقد بابيه الطريقة التي يُختار بها موضع البداية في السرد: يبدأ الخطاب من الفعل العسكري ويتجاهل الحصار، أو من "الرد" وينسى شروط الحياة اليومية. هكذا تُختزل غزة في عنوان أمني، ويُمحى سياق العقاب الجماعي ودورات العنف.



الخرافة العاشرة، "حل الدولتين هو الطريق الوحيد"، تأتي كخاتمة تحمل نبرة مستقبلية. لا يهاجم بابيه الفكرة نظريا فقط، بل ينتقد تحولها إلى شعار يُكرر حتى حين تآكلت شروطه المادية والسياسية. يرى أن الإصرار على حل لم تعد له مقومات على الأرض هو استمرار للخرافة، ويقترح بدلا من ذلك أفقا حقوقيا يركز على المساواة والعدالة، بغض النظر عن الشكل النهائي للدولة. قد يختلف القارئ معه في التشخيص أو الحل، لكن منطقه واضح: الواقعية لا تعني تكرار ما لم يعد ممكنا.



قيمة الكتاب لا تكمن فقط في تعداد الخرافات، بل في طريقته. بابيه يكتب بنبرة جدلية واعية، ويعمد إلى تفكيك "الشعار" قبل تفكيك "الحدث"، لأن الصراع في نظره يدور على القوالب التي تفسر الوقائع بقدر ما يدور على الوقائع نفسها. هذا ما يجعل القراءة مشوقة: القارئ يكتشف أن كثيرا مما اعتبره بديهيات هو في الحقيقة نتاج سرديات مكثفة. وفي الوقت ذاته، لا يدعي الكتاب الحياد المطلق؛ فهو تدخل واع في معركة المعنى والشرعية. لذلك يمكن اعتباره مدخلا قويا لفهم سردية نقدية واسعة، لا كلمة أخيرة تغلق النقاش، بل دعوة لإعادة التفكير في اللغة التي نصنع بها التاريخ والحاضر معا.



 


تحميل PDF
نُشر في January 14, 2026 09:51 AM GMT+2
كتاب "10 خرافات عن إسرائيل": التاريخ كمعركة على المعنى