عندما ينظر عالم آثار إلى جمجمة قديمة بأسنان سوداء داكنة، فإن السؤال الأول لا يكون عن الجمال، بل عن السبب:هل هذا اللون نتيجة مرض؟ أم تفاعل كيميائي مع التربة؟ أم بقايا نباتات كانت تُـمضغ؟ غير أن دراسة حديثة نُشرت في مطلع عام 2026 قلبت هذا التساؤل رأسًا على عقب، بعد أن أثبتت علميًا أن سواد الأسنان في موقع أثري شمال فيتنام لم يكن عرضيًا ولا طبيعيًا، بل كان ممارسة ثقافية متعمدة استخدم فيها الحديد كمكوّن أساسي في صبغة مركبة.
الدراسة التي ظهرت في مجلة علمية محكّمة بعنوان"Archaeological and Anthropological Sciences"تناولت بقايا بشرية من موقع"دونغ زا"في دلتا النهر الأحمر شمال فيتنام، وهو موقع يعود إلى العصر الحديدي ويرتبط بثقافة"دونغ سون"المعروفة بثرائها المادي وتقاليدها المعدنية.في هذا الموقع، وُجدت أسنان سوداء بشكل متجانس وواضح على عدد من الهياكل العظمية التي تعود إلى نحو ألفي عام.لكن المفاجأة لم تكن في وجود اللون ذاته، بل في"تحليل ماهيته وتركيبه الكيميائي".
كان التحدي الأساسي أمام الباحثين هو التمييز بين"التصبغ الطبيعي"و"الطبقة الصبغية المتعمدة".فالمعروف أن مضغ نباتات معينة مثل الفوفل يمكن أن يترك أثرًا داكنًا، كما أن التربة الغنية بالحديد قد تلطخ الأسنان بعد الدفن.لذلك لم يكن كافيًا الاعتماد على الفحص البصري، بل لجأ الفريق إلى تقنيات دقيقة مثل المجهر الإلكتروني الماسح وتحليل الأشعة السينية المحمولة، لفحص العناصر الموجودة على سطح المينا.
أظهرت النتائج وجود نسب مرتفعة من الحديد والكبريت في الطبقة السوداء، وهو ما يشير إلى استخدام مركبات حديدية ضمن خليط صبغي.ولم يتوقف الباحثون عند هذا الحد، بل قاموا بإعادة إنتاج خليط مستوحى من وصفات تاريخية لتلوين الأسنان في جنوب شرق آسيا، يعتمد على أملاح الحديد ومواد نباتية غنية بالعفص.عند تطبيق هذا الخليط تجريبيًا على أسنان حديثة، ظهرت نفس البصمة الكيميائية تقريبًا.هذا التطابق بين العينة الأثرية والتجربة المعملية كان لحظة الحسم:"السواد لم يكن أثرًا بيئيًا، بل نتيجة فعل بشري متعمد ومدروس".
لكن لماذا كان الناس يلونون أسنانهم بالأسود؟
هنا تتحول الدراسة من الكيمياء إلى الثقافة.تشير السجلات التاريخية والأنثروبولوجية إلى أن تلوين الأسنان كان ممارسة جمالية راسخة في فيتنام حتى بدايات القرن العشرين، وكان يُنظر إلى الأسنان البيضاء أحيانًا باعتبارها غير مرغوبة أو مرتبطة بالحيوانات أو الطفولة.في المقابل، كان السواد اللامع يُعد علامة نضج وأناقة وانتماء اجتماعي.بعض المصادر تشير إلى أن التلوين كان يُمارس في سن البلوغ أو قبل الزواج، ما يربطه بطقوس العبور الاجتماعية.
إثبات أن الممارسة كانت قائمة قبل ألفي عام يعني أن هذا التقليد لم يكن ظاهرة عابرة، بل جزءًا عميقًا من الهوية الثقافية.الأسنان هنا ليست مجرد عضو بيولوجي، بل مساحة لإظهار الانتماء والهوية والذوق.كما أن استخدام مركبات حديدية يدل على معرفة تقنية بمواد التفاعل الكيميائي، ما يعكس مستوى من التنظيم والخبرة الحرفية.
الأكثر إثارة أن هذا الاكتشاف يفتح الباب لإعادة فحص مواقع أثرية أخرى في المنطقة.فإذا كانت هناك بصمة كيميائية واضحة يمكن تتبعها، فقد نتمكن من رسم خريطة لانتشار هذه الممارسة عبر جنوب شرق آسيا، وربما ربطها بأنماط هجرة أو تفاعل ثقافي بين المجتمعات القديمة.
من الناحية المنهجية، تمثل الدراسة مثالًا على كيف يمكن للعلوم الطبيعية أن تسهم في تفسير الظواهر الاجتماعية.فبدلاً من الاكتفاء بتأويلات ثقافية عامة، قدم التحليل الكيميائي دليلًا ماديًا يربط بين المادة والسلوك.وهذا يعيد طرح سؤال مهم في علم الآثار:إلى أي مدى يمكن للمواد أن تكشف عن القيم؟ وكيف يمكن لعنصر مثل الحديد أن يصبح مفتاحًا لفهم مفهوم الجمال في حضارة قديمة؟
في النهاية، لا يتعلق هذا الاكتشاف بلون الأسنان فحسب، بل بكيفية قراءة الجسد في الماضي.فكل أثر مادي يحمل قصة، لكن هذه القصة تحتاج إلى أدوات دقيقة لفك شيفرتها.في حالة دونغ زا، كان الحديد هو الخيط الذي قاد الباحثين إلى فهم أن"الابتسامة السوداء"لم تكن نتيجة الصدفة، بل كانت اختيارًا ثقافيًا واعيًا، يعكس تصورًا مختلفًا للجمال والهوية عما نعرفه اليوم.
وهكذا، يصبح الاكتشاف أكثر من مجرد خبر أثري؛ إنه تذكير بأن معايير الجمال ليست ثابتة عبر الزمن، وأن ما نراه اليوم غريبًا قد يكون كان يومًا معيارًا للذوق والهيبة والانتماء.والأهم أن العلم، حين يلتقي بالثقافة، قادر على إعادة الحياة إلى تفاصيل صغيرة—مثل لون الأسنان—لتخبرنا عن عالم كامل كان يبتسم بطريقة مختلفة.
قائمة المراجع:
زهانغ، ي.، وانغ، ي.س.، نغوين، ف.، إييزوكا، ي.، وهونغ، هـ.س.(2026).مملكة بأسنان مسودة قبل 2000 عام:تتبع ممارسة تلوين الأسنان في فيتنام القديمة.مجلة العلوم الأثرية والأنثروبولوجية، 18(2).
كيلغروف، ك.(2026، 21 فبراير).جماجم عمرها 2000 عام تكشف عن ممارسة تلوين الأسنان في فيتنام القديمة.لايف ساينس.
مجلة الآثار(2026، 13 فبراير).ممارسة تجميلية تعود إلى 2000 عام:تلوين الأسنان في فيتنام العصر الحديدي.
فيز.أورغ(2026، 12 فبراير).علماء يكشفون أصول تلوين الأسنان في فيتنام خلال العصر الحديدي.

التعليقات