الاستهلاك كهوية: عندما يصبح الشراء لغة للانتماء

نحن لا نشتري ما نحتاجه فقط… بل ما يثبت اننا ما زلنا ننتمي.

الاستهلاك كهوية: عندما يصبح الشراء لغة للانتماء

يعمل الاستهلاك اليوم بوصفه اكثر من تبادل اقتصادي بين مال وسلعة؛ لقد صار"لغة"اجتماعية يكتب بها الناس ذواتهم داخل الجماعة.ما نشتريه، وما نعرضه، وما نكرره كعادات يومية، يتحول الى اشارات مختصرة تقول للآخرين:من انا؟ واين اقف؟ ومع صعود المنصات، لم يعد الانتماء يبنى فقط عبر النسب والمهنة والتعليم، بل عبر تفاصيل تبدو بسيطة:هاتفك، حذاؤك، مقهاك المفضل، ونمط سفرك.هنا يصبح الشراء مرادفا للعضوية في"مجموعة ذوق"او"جماعة نمط حياة"، وتصبح العلامة التجارية بمثابة شارة تعريف، لا مجرد جودة أو سعر.

العلامات التجارية تؤدي وظيفة رمزية دقيقة:انها تمنح صاحبها"هوية جاهزة"يمكن قراءتها بسرعة.قميص يحمل شعارا معروفا لا يقول"اشتريت قميصا"فقط، بل يقول:انا قريب من ذوق معين، ومن معيار جودة معيّن، ومن عالم اجتماعي تتبادل فيه الاشارات.في هذا المعنى، تتحول الماركات الى نظام تصنيف ناعم:ليست ضرورية لتلبية الحاجة، لكنها ضرورية لتحديد"المكانة"داخل شبكة العلاقات.حتى الاجهزة، التي يفترض انها ادوات عملية، صارت جزءا من قصة الانتماء:نوع الهاتف واللابتوب والسماعات لم يعد مجرد تفضيل تقني، بل اعلان ضمني عن مستوى القدرة الشرائية، وعن"القدرة على المواكبة"، وعن القرب من ثقافة رقمية معينة.ولذلك يصبح تحديث الاجهزة دوريا جزءا من طقس اجتماعي:ليس لان الجهاز القديم لا يعمل، بل لان الاشارة التي يرسلها صارت"متأخرة".

بيانات مكنزي عن سلوك المستهلكين عبر اسواق متعددة تظهر ان استخدام السوشال ميديا للبحث عن المنتجات ارتفع الى 32%(من 27%في 2023)، ما يعني ان قرار الشراء بات اكثر التصاقا بالمشهد الاجتماعي الرقمي لا بالاحتياج فقط(McKinsey&Company,2025).وفي مسح لمعهد كابجيميني، قال 46%من مستهلكي جيل زد انهم اشتروا بالفعل منتجات عبر منصة سوشال ميديا، وهو ما يسرّع الانتقال من"رغبة كي انتمي"الى"شراء فوري كي لا افوتني المشهد"(Capgemini Research Institute,2024).النتيجة ان المكانة داخل المجموعة لا تُبنى فقط على المال، بل على القدرة على قراءة الشيفرات، وعرضها في الوقت المناسب، وتجنب"الخروج عن الصورة"؛ وهذا بالضبط جوهر الطبقية الناعمة:تفاوت يبدو اختيارا شخصيا، لكنه يعمل كنظام تقييم اجتماعي مستمر.

هذا المنطق يتوسع الى المطاعم والسفر.المطعم لم يعد مكانا للاكل فقط، بل مسرحا للانتماء:اختيار مطعم"ترندي"او مقهى بعينه يعلن ذوقا وطبقة وتشبها بعالم بعينه.والسفر ايضا، خصوصا حين يتحول الى محتوى، يعيد انتاج المكانة عبر صور وتجارب تحمل رسالة:انا امتلك وقتا ومالا وحرية حركة، وانا ضمن دائرة ترى العالم بهذا الشكل.وهكذا يتكون"سلم مكانة"جديد لا يكتب في شهادات ولا يعلن في خطابات، بل يتسرب عبر التفاصيل.هذه هي"الطبقية الناعمة":لا تقول لك صراحة انك اقل او اكثر، لكنها تجعلك تشعر بذلك حين تلاحظ ان بعض الاماكن والاشياء"تناسب"جماعة دون اخرى.

وتزداد قوة الاستهلاك كهوية عبر ضغط"المواكبة".فالمشكلة ليست فقط في وجود سلع رمزية، بل في سرعة تغيرها.الموضة الرقمية تسابق نفسها:ترند جديد، مطعم جديد، جهاز جديد، وجهة جديدة.من لا يلحق يشعر انه خارج السياق، وكأنه فقد جزءا من لغته الاجتماعية.هنا يتحول الاستهلاك من اختيار الى واجب غير معلن:كي تبقى مرئيا في مجموعتك عليك ان تشتري احيانا ما لا تحتاجه، او ان تحافظ على واجهة"التحديث".وبقدر ما يبدو هذا سطحيا، فهو مرتبط بحاجات عميقة:الخوف من العزلة، والرغبة في الاعتراف، والسعي الى الامان داخل جماعة تمنحك معنى.

لكن السؤال الاكثر اهمية ليس:لماذا نشتري؟ بل:ماذا يحدث حين تصبح مكانتك مرتبطة بما تملك؟ عندها تصبح العلاقات اكثر هشاشة، لانها ترتكز على اشارات قابلة للتبدل، وتصبح الذات معرضة للقلق، لان الانتماء يصبح مشروطا بالقدرة على الاستمرار في المواكبة.وفي المقابل، يفتح هذا الوعي بابا للمقاومة اليومية:ان تميز بين"حاجتي"و"اشارتي"، وبين شراء يحل مشكلة وشراء يحل شعورا.فحين نفهم ان الاستهلاك لغة، نستطيع ان نسال قبل كل عملية شراء:هل انا اشتري شيئا، ام اشتري مكانا داخل الجماعة؟