مقدمة:
شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية على مدى أكثر من سبعة عقود تحولات جذرية، إذ بدأت بتحالف وثيق في ظل حكم الشاه، ثم انقلبت إلى عداء شديد بعد ثورة 1979.فقد ظل البلدان حليفين لفترة طويلة على أساس مصالح عسكرية ونفطية مشتركة خلال الحرب الباردة، قبل أن تعصف الثورة الإسلامية عام 1979 بذلك التحالف.منذ ذلك الحين أصبحت إيران تحديًا مستمرًا للرؤساء الأمريكيين، تجلّى في أزمات مفصلية مثل أزمة احتجاز الرهائن في طهران، والحروب الإقليمية في الشرق الأوسط، وصولًا إلى المواجهة حول برنامجها النووي.تهدف هذه الورقة التحليلية إلى دراسة تطورات العلاقة الأمريكية الإيرانية منذ بدايتها، مع التركيز على الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.
أولا:التحالف الأمريكي الإيراني في عهد الشاه(1953–1979)
كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية وثيقة خلال حكم الشاه محمد رضا بهلوي(1941–1979)، حيث اعتمدت إيران على الدعم الأمريكي في مواجهة المد الشيوعي وتطوير اقتصادها النفطي.تعود البداية المفصلية إلى انقلاب عام 1953 الذي أطاحت فيه المخابرات الأمريكية والبريطانية برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدّق بعد قراره تأميم صناعة النفط، مما أتاح عودة الشاه إلى السلطة بدعم غربي(Gasiorowski,1987).وقد مثّل ذلك الانقلاب تحوّلًا حاسمًا في مركز النفوذ الأجنبي في إيران من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، وأصبحت إيران بموجبه حجر زاوية استراتيجي للولايات المتحدة في الحرب الباردة ومراقبًا لخطوط إمداد النفط عبر الخليج(Kinzer,2003).
خلال العقدين التاليين، توثّق التحالف بين واشنطن وطهران على أساس المصالح النفطية والتعاون العسكري؛ فقد أصبحت طهران أحد أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة، وحصلت على مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة في سياق سياسة الاحتواء الأمريكية ضد النفوذ السوفياتي(Pollack,2004).على سبيل المثال، دعمت الولايات المتحدة برنامج إيران النووي المدني في الخمسينيات ضمن مبادرة الذرة من أجل السلام، وقدمت لطهران مفاعلًا نوويًا ووقودًا عالي التخصيب لاستغلاله في الأبحاث قبل توقف التعاون عند قيام الثورة(Cirincione,2005).كذلك شهدت أوائل السبعينيات صفقات أسلحة هائلة، خاصة بعد زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لطهران عام 1972 ومنح الشاه حرية شراء أي منظومات أسلحة غير نووية أرادها(Alvandi,2014)؛ فمع ارتفاع أسعار النفط إثر حرب 1973 استطاع الشاه تمويل بناء جيش حديث بمساعدة وتسليح أمريكي متقدم.غير أن هذا التحالف الوثيق حمل في طياته عوامل توتر مستقبلية، إذ تزامن الدعم الأمريكي غير المشروط لنظام الشاه مع تصاعد القمع السياسي وتهميش المعارضة داخل إيران، مما غذّى شعورًا شعبيًا متناميًا بأن القرار الوطني بات مرتهنًا للخارج(Abrahamian,2008).وقد أسهم هذا الاستياء المتراكم في تمهيد الطريق لانفجار الثورة الإسلامية عام 1979 التي وضعت حدًا للتحالف الأمريكي الإيراني القديم.
ثانيا:الثورة الإسلامية وأزمة الرهائن(1979–1981)
في عام 1979، أدت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني إلى إسقاط نظام الشاه وإنهاء النفوذ الأمريكي في إيران(Abrahamian,2008).تبنّى النظام الجديد أيديولوجيا ثورية مناهضة للغرب، وأعلن الخميني نيته تصدير الثورة الإسلامية إلى دول الجوار، ما أثار قلقًا شديدًا لدى واشنطن وحلفائها الإقليميين(Takeyh,2009).وبعد قرابة عشرة أشهر من قيام الجمهورية الإسلامية، تصاعدت الأزمة بين البلدين عندما اقتحم آلاف الطلبة الثوريين الإيرانيين مبنى السفارة الأمريكية في طهران في 4 نوفمبر 1979 واحتجزوا 52 أمريكيًا كرهائن، مطالبين واشنطن بتسليم الشاه الذي كان قد وصل إلى الولايات المتحدة للعلاج(Bowden,2006).ردّت واشنطن بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران وفرض حظر على استيراد النفط الإيراني وتجميد الأصول الإيرانية في البنوك الأمريكية(Brzezinski,1983).
استمرت أزمة الرهائن 444 يومًا، وانتهت بإطلاق سراحهم في يناير 1981 بموجب اتفاقيات الجزائر التي تزامنت مع تنصيب رونالد ريغان رئيسًا(Sick,1985).وقد تعهّدت الولايات المتحدة في تلك الاتفاقيات بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية مستقبلًا مقابل الإفراج عن الرهائن.جسّدت أزمة الرهائن عمق التحول العدائي في العلاقات، وأضعفت بشدة إدارة الرئيس جيمي كارتر التي فشلت في إنقاذ الرهائن عبر عملية عسكرية عملية مخلب النسر في أبريل 1980 انتهت بتحطم مروحيتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين(Bowden,2006).ومنذ ذلك الحين انقطعت العلاقات الرسمية بين البلدين تمامًا–إذ أغلقت السفارة الأمريكية في طهران ولم تُستأنف أي علاقات دبلوماسية مباشرة–وأضحت أمريكا الشيطان الأكبر شعارًا مركزيًا في الخطاب السياسي الإيراني، مقابل تصنيف واشنطن إيران كعدو رئيسي ووضعها لاحقًا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب ابتداءً من عام 1984(U.S.Department of State,2023).
ثالثا:حرب الخليج الأولى والتوترات في الثمانينيات(1980–1988)
دخلت العلاقات في ثمانينيات القرن الماضي مرحلة مواجهة غير مباشرة على خلفية حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق(1980–1988).فبعد أن غزا صدام حسين إيران في سبتمبر 1980، وقفت الولايات المتحدة فعليًا إلى جانب العراق، إذ كانت ترى في النظام الإيراني الثوري خطرًا على مصالحها وحلفائها في المنطقة.قدّمت واشنطن دعمًا متنوعًا لبغداد شمل مساعدات اقتصادية وتدريبًا عسكريًا وتكنولوجيا ذات استخدام مزدوج، واستمرت في ذلك حتى نهاية الحرب، حتى بعد أن أكدت تقارير استخباراتية استخدام القوات العراقية أسلحة كيميائية ضد الإيرانيين(Pollack,2004).
خلّفت الحرب الإيرانية العراقية مآسي إنسانية هائلة، حيث قُدّر عدد الضحايا الإيرانيين بنحو مليون شخص، فيما خسر العراق بين 250 ألف و500 ألف من قواته ومدنيه(Hiro,1991).على جبهة موازية، تصاعد التوتر عبر وكلاء إقليميين؛ إذ أدى تفجير ضخم استهدف ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983–ونُسب إلى تنظيم الجهاد الإسلامي المقرب من حزب الله اللبناني–إلى مقتل 241 جنديًا أمريكيًا(Ranstorp,1997).عجّل هذا الهجوم بسحب قوات حفظ السلام متعددة الجنسيات من لبنان، ودفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى تصنيف إيران رسميًا دولة راعية للإرهاب عام 1984(U.S.Department of State,2023).
وعلى الرغم من العداء العلني، كشفت منتصف الثمانينيات عن مفارقة لافتة عُرفت بقضية إيران-كونترا، حيث تورط مسؤولون في إدارة الرئيس ريغان ببيع أسلحة لإيران سرًا رغم الحظر بهدف تأمين الإفراج عن رهائن أمريكيين محتجزين لدى حزب الله في لبنان، وتوجيه عائدات الصفقة لتمويل متمردي الكونترا في نيكاراغوا الذين يدعمهم ريغان(Byrne,2014).هزّت هذه الفضيحة واشنطن وأفضت إلى محاكمات أدين فيها عدد من المسؤولين، مؤكدة الطبيعة المعقدة والمتشابكة للعلاقة حتى في ذروة المواجهة.وبحلول أواخر الحرب، انزلقت الولايات المتحدة وإيران إلى مناوشات عسكرية مباشرة في مياه الخليج؛ ففي أبريل 1988 أطلقت البحرية الأمريكية عملية فرس النبي ضد أهداف إيرانية ردًا على إصابة فرقاطة أمريكية بلغم إيراني، دمرت خلالها سفن حربية ومنصات نفطية إيرانية(Cordesman&Wagner,1990).وفي يوليو من العام نفسه، أسقطت بارجة أمريكية عن طريق الخطأ طائرة مدنية إيرانية رحلة إيران إير 655 ظنًا منها أنها طائرة معادية، ما أدى إلى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290 شخصًا(Takeyh,2009).انتهت الحرب بقبول الخميني قرار وقف إطلاق النار الأممي عام 1988–وهو القرار الذي شبهه بتجرع كأس السم لشدة مرارته–لترسو العلاقات في نهاية الثمانينيات على حالة عداء مستحكم، وإن كان الطرفان تجنبا مواجهة شاملة مباشرة.
رابعا:سياسة الاحتواء والعقوبات في حقبة ما بعد الحرب الباردة(1990s)
مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية ودخول التسعينيات، تبنت الولايات المتحدة إستراتيجية احتواء مزدوج تجاه كل من طهران وبغداد، بهدف منع أي منهما من تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة(Gause,1994).خلال حرب الخليج عام 1991 احتلال العراق للكويت، أعلنت إيران رسمياً الحياد ولم تنضم للتحالف الذي قادته واشنطن لتحرير الكويت، بل استفادت ضمنيًا من إضعاف عدويها اللدودين–صدام حسين والولايات المتحدة–عبر استنزافهما في تلك الحرب(Pollack,2004).
مع ذلك، بقيت واشنطن مرتابة في نوايا طهران عقب الحرب، خصوصًا مع سعي إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي مستغلة خروج العراق مهزومًا.وفي ظل غياب قنوات تواصل مباشرة، اعتمدت الإدارة الأمريكية نهجًا تصعيديًا عبر العقوبات الاقتصادية لعزل إيران دوليًا وتجفيف مواردها المالية.فخلال عهد الرئيس جورج بوش الأب ثم بيل كلينتون، أقر الكونغرس الأمريكي حزمًا عقابية متتالية ضد إيران:أصدر قانون منع انتشار الأسلحة إلى إيران والعراق عام 1992 الذي منع تصدير المواد ذات الاستخدام العسكري المزدوج، ثم وقع كلينتون عام 1995 أمرًا تنفيذيًا بفرض حظر شامل على تجارة النفط والتعاملات التجارية مع إيران(Maloney,2008).
تلا ذلك قانون عقوبات إيران وليبيا عام 1996 الذي استهدف ردع الشركات الأجنبية عن الاستثمار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين بأكثر من 20 مليون دولار سنويًا، الأمر الذي أثار غضب الحلفاء الأوروبيين بسبب الطابع العابر للحدود لتلك العقوبات(Takeyh,2009).على الجانب الإيراني، تولى هاشمي رفسنجاني الرئاسة 1989–1997 بشعارات إعادة الإعمار الاقتصادي بعد الحرب، لكن العلاقات مع واشنطن ظلت متوترة في ظل استمرار العقوبات ودعم إيران لحركات تعتبرها الولايات المتحدة معادية.
مع انتخاب محمد خاتمي رئيسًا عام 1997 وانتهاجه خطابًا إصلاحيًا منفتحًا، لاح في الأفق تحسن محدود في التواصل بين البلدين.وقد ردت إدارة كلينتون بإشارات إيجابية حذرة، فمثلاً التقت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بنائب وزير الخارجية الإيراني في نيويورك عام 1998 ضمن محادثات دولية حول أفغانستان، في أرفع اتصال دبلوماسي مباشر بين البلدين منذ 1979(Albright,2000).تلا ذلك في عام 2000 اعتراف لافت من أولبرايت بدور الولايات المتحدة في انقلاب 1953 ضد مصدق، ووصفت السياسات الأمريكية السابقة تجاه إيران بأنها قصيرة النظر.كذلك رفعت واشنطن بعض العقوبات الثانوية مثل حظر استيراد السجاد والكافيار والفستق الإيراني، في بادرة لبناء الثقة.على أن هذه الانفراجة المحدودة لم ترقَ إلى تقارب إستراتيجي حقيقي، إذ بقيت الخلافات العميقة حول دعم إيران المزعوم للإرهاب وبرنامجها الصاروخي وتطلعاتها الإقليمية عائقًا أمام تطبيع العلاقات في نهاية التسعينيات.
خامسا:ما بعد 11 سبتمبر 2001 وتصاعد التوترات(2001–2010)
أحدثت هجمات 11 سبتمبر 2001 تحولًا في أولويات السياسة الأمريكية، وشكّلت إطار لتعاون غير مباشر مع طهران ضد عدو مشترك هو تنظيم القاعدة ونظام طالبان في أفغانستان(Takeyh,2009).فإيران، التي عارضت طالبان المتشددة، قدّمت دعمًا ملموسًا للجهود الأمريكية للإطاحة بها، إذ شارك دبلوماسيون إيرانيون في مؤتمر بون ديسمبر 2001 لتشكيل حكومة ما بعد طالبان، وأسهموا في التنسيق بشأن استقرار أفغانستان وإعادة اللاجئين(Maloney,2008).كما تبادل الجانبان معلومات استخباراتية بشكل سري لاستهداف خلايا القاعدة وطالبان الهاربة.غير أن هذه الأجواء الإيجابية لم تعمّر طويلًا؛ إذ سارع الرئيس جورج دبليو بوش إلى تصنيف إيران ضمن محور الشر إلى جانب العراق وكوريا الشمالية في خطاب حالة الاتحاد في يناير 2002، متهمًا طهران بالسعي لأسلحة الدمار الشامل ورعاية الإرهاب(Bush,2002).
شكّل هذا الوصف صدمة كبيرة للقيادة الإيرانية المعتدلة نسبيًا آنذاك، والتي كانت تأمل بتحسين العلاقات بعد تعاونها في أفغانستان.توقفت على إثره الاجتماعات السرية بين الدبلوماسيين الأمريكيين والإيرانيين، وترسخت قناعة لدى طهران بأن واشنطن تسعى لتغيير النظام لا محالة وليس مجرد تغيير سلوكه.في مارس 2003، غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين.ورحبت إيران بزوال عدوها اللدود في الشرق، لكنها في الوقت عينه سعت لضمان ألا يتحول الوجود الأمريكي في العراق إلى تهديد أمني لها.قدّمت طهران دعمًا سياسيًا وعسكريًا للفصائل الشيعية العراقية الصديقة، وبعضها تورط في هجمات ضد القوات الأمريكية هناك(Pollack,2004).وبنهاية عام 2003، وبينما أعلنت واشنطن نجاحها في إسقاط صدام، بدا أن إيران هي الرابح الإستراتيجي الأكبر من الحرب؛ إذ أشار تقرير لاحق للجيش الأمريكي عام 2019 إلى أن إيران بدت المنتصر الوحيد في حرب العراق، معززة نفوذها الإقليمي بفعل إزاحة عدوها التقليدي من السلطة.
بالتوازي مع ذلك، تصاعد القلق الأمريكي من برنامج إيران النووي بعد كشف منشآت سرية للتخصيب في عام 2002.شرعت طهران في تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود، مما دفع الترويكا الأوروبية بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى التوسط في اتفاق 2003 الذي جمّد التخصيب مؤقتًا.لكن هذا التفاهم كان هشًا وتراجع مع وصول الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد إلى السلطة عام 2005.استأنفت إيران أنشطة التخصيب، فجاء الرد الدولي عبر مجلس الأمن بفرض حزم عقوبات متتالية أولها القرار 1737 في 2006 استهدفت برامج إيران النووية والبالستية.كذلك صعّدت واشنطن ضغوطها التشريعية عبر قانون دعم حرية إيران عام 2006 الذي خصص تمويلًا لدعم منظمات المعارضة الإيرانية وترويج الديمقراطية في إيران.
وردّ أحمدي نجاد بتحدي المجتمع الدولي؛ ففي خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2007 أعلن أن ملف إيران النووي مغلق ولن تُذعن حكومته لقرارات مجلس الأمن، كما هاجم الكيان الصهيوني ووصفه بأنه نظام غير شرعي.وعلى الرغم من نشر الاستخبارات الأمريكية تقريرًا أواخر 2007 يفيد بأن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري عام 2003، فإن ذلك لم يخفف الشكوك الغربية في نوايا طهران.وهكذا، اتسمت سنوات ما بعد 11 سبتمبر بتفاقم المواجهة بين الطرفين:واشنطن اعتبرت إيران عنصرًا رئيسًا في الحرب على الإرهاب ومحورًا في محور الشر الساعي لامتلاك أخطر الأسلحة، فيما رأت طهران نفسها محاصَرة بقوات أمريكية على حدودها الشرقية أفغانستان والغربية العراق فتمسكت أكثر بسياساتها الإقليمية وبمشروعها النووي كضمان لأمنها وردع لأي تهديد وجودي.
سادسا:الانفراجة الدبلوماسية والاتفاق النووي(2011–2015)
مع وصول باراك أوباما إلى الرئاسة عام 2009، انتهجت الولايات المتحدة إستراتيجية مزدوجة تجمع بين الانخراط الدبلوماسي والضغط الاقتصادي غير المسبوق حيال إيران.فرغم قيام أوباما بتوجيه رسائل ودية للقيادة الإيرانية–منها خطاب تهنئة بالشعب الإيراني في عيد النوروز ودعوات ضمنية لفتح صفحة جديدة–إلا أنه تزامن ذلك مع تكثيف العقوبات على طهران بشكل غير مسبوق.استهدفت الإدارة الأمريكية صادرات النفط الإيرانية وشبكاتها المالية عبر العالم، وضغطت على الدول لخفض وارداتها النفطية من إيران، كما يُعتقد أنها دعمت شن هجمات سيبرانية لتعطيل برنامج إيران النووي(مثل فيروس ستوكسنت الذي ضرب منشأة نطنز).وقد أدى خنق عائدات النفط الإيرانية إلى ركود اقتصادي وارتفاع في معدل التضخم والبطالة داخل إيران، مما أطلق موجات احتجاجية أبرزها الحركة الخضراء عام 2009 التي واجهها النظام بالقوة.
في هذه الأجواء، وفي عام 2013 انتُخب حسن روحاني–المعروف بنهجه البراغماتي–رئيسًا لإيران، رافعًا شعار إنهاء العزلة الدولية وإنقاذ الاقتصاد عبر تسوية الملف النووي.استغل أوباما الفرصة، فأطلقت واشنطن وطهران قناة تفاوض سرية بمسقط، تلاها مفاوضات علنية بين إيران ومجموعة 5+1(الصين وروسيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا إضافة إلى ألمانيا).وفي سابقة تاريخية منذ الثورة، جرى اتصال هاتفي مباشر بين أوباما وروحاني في سبتمبر 2013 خلال زيارة الأخير لنيويورك، تبعه توقيع اتفاق نووي مرحلي(خطة العمل المشتركة)في نوفمبر من نفس العام حصلت إيران بموجبه على تخفيف محدود لبعض العقوبات مقابل تجميد أجزاء من أنشطتها النووية.أثمرت المفاوضات الموسعة عن توقيع الاتفاق النووي الشامل(JCPOA)في فيينا بتاريخ 14 يوليو 2015.ألزم هذا الاتفاق إيران بتنفيذ قيود صارمة على برنامجها النووي لضمان طابعه السلمي، منها خفض مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 3.67%وتفكيك قلب مفاعل آراك الذي يمكنه إنتاج البلوتونيوم، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين، وقبول رقابة دولية مكثفة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك لفترات تمتد بين 10 و15 عامًا.في المقابل، حصلت إيران على رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية والمالية المرتبطة ببرنامجها النووي، والإفراج عن عشرات مليارات الدولارات من أموالها المجمدة في الخارج.
اعتبر أوباما الاتفاق إنجازًا دبلوماسيًا تاريخيًا يغلق الطريق أمام إيران نحو السلاح النووي لمدة طويلة دون اللجوء إلى الحرب.كما صادق مجلس الأمن الدولي على الاتفاق بموجب القرار 2231، ما أضفى عليه شرعية قانونية دولية.غير أن الاتفاق واجه معارضة شديدة من أطراف عدة؛ إذ نددت إسرائيل وحلفاء واشنطن في الخليج بالاتفاق بدعوى أنه يرفع الضغوط عن إيران ويوفر لها موارد مالية قد تستخدمها في زعزعة استقرار المنطقة.كذلك عارض معظم الجمهوريين وبعض الديمقراطيين في الكونغرس الاتفاق معتبرين إياه غير كافٍ لضبط سلوك إيران الإقليمي أو برنامجها الصاروخي.ومع ذلك، دخل الاتفاق حيز التنفيذ في مطلع 2016، وبدأت إيران بالفعل بتفكيك أجزاء من برنامجها النووي والتخلي عن مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، بالمقابل تم رفع كثير من العقوبات الأمريكية والأوروبية المتصلة بالبرنامج النووي.أدى ذلك إلى فترة من الانفراج النسبي؛ حيث عادت إيران لتصدير النفط بحرية أكبر وتحسنت حالتها الاقتصادية جزئيًا، وانخفض مستوى التوتر النووي خلال السنوات الأخيرة من إدارة أوباما.
سابعا:الانسحاب الأمريكي والتصعيد في عهد ترامب(2018–2020)
غيرت إدارة دونالد ترامب نهج السياسة الأمريكية رأسًا على عقب حيال إيران.ففي 8 مايو 2018 أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بشكل أحادي، معيدًا فرض جميع العقوبات التي رُفعت بموجب الاتفاق، بل وفرض عقوبات جديدة أكثر صرامة ضمن حملة الضغوط القصوى الرامية إلى شلّ الاقتصاد الإيراني وتجفيف موارده النفطية بالكامل.أثارت هذه الخطوة انتقادات قوية من بقية أطراف الاتفاق خاصة الحلفاء الأوروبيين الذين سعوا إلى إبقائه حيًا، بينما أيّدتها إسرائيل والسعودية ورحبت بها قوى التيار المتشدد في واشنطن باعتبارها تصحيحًا لمسار السياسة تجاه إيران.
وردّت إيران بضبط النفس نسبيًا في البداية آملة أن ينقذ الأوروبيون الاتفاق، إلا أنها وبعد عام من الانسحاب الأمريكي بدأت بتخفيض التزاماتها النووية تدريجيًا اعتبارًا من منتصف 2019، فرفعت مستوى تخصيب اليورانيوم وتجاوزت حدود المخزون المسموح بها وفقًا للاتفاق.توازى ذلك مع تصاعد ملحوظ في التوتر الميداني بالخليج ومناطق أخرى:ففي أبريل 2019 صنّفت واشنطن الحرس الثوري الإيراني–أبرز قوة عسكرية إيرانية–منظمة إرهابية أجنبية، في سابقة هي الأولى من نوعها التي يُدرج فيها كيان رسمي لدولة ذات سيادة على قوائم الإرهاب الأمريكية.ثم شهد مايو ويونيو 2019 سلسلة حوادث استهداف لناقلات نفط في خليج عُمان اتهمت الولايات المتحدة إيران بالضلوع فيها، وردّت إيران بإسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة فوق مياهها الإقليمية في يونيو 2019.
وفي 14 سبتمبر 2019 وقع هجوم غير مسبوق على منشآت شركة أرامكو النفطية في السعودية بواسطة طائرات مسيّرة وصواريخ كروز، تسبب في خفض إنتاج المملكة النفطي إلى النصف مؤقتًا؛ تبنى الحوثيون في اليمن المتحالفون مع إيران مسؤولية الهجوم، لكن واشنطن وحكومات أوروبية حمّلت إيران المسؤولية المباشرة عنه.ومع نهاية 2019، تصاعدت المناوشات في الساحة العراقية بين الطرفين:إذ أدت غارة أمريكية على عراقية مدعومة إيرانيًا كتائب حزب الله إلى مقتل العشرات، فردّ أنصار تلك الميليشيات باقتحام محيط السفارة الأمريكية في بغداد وأضرام النيران عند بواباتها أواخر ديسمبر 2019، فتوعدت إدارة ترامب إيران بدفع ثمن باهظ لأي أذى يلحق بالأمريكيين.بلغت المواجهة ذروتها بشكل دراماتيكي في 3 يناير 2020، عندما استهدفت طائرة مسيّرة أمريكية موكبًا في محيط مطار بغداد، مما أسفر عن مقتل اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذراع الخارجية للحرس الثوري وأبرز مهندس لاستراتيجية النفوذ الإيراني الإقليمي، إلى جانب أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي وعدد من المرافقين.
اعتُبر سليماني على نطاق واسع أقوى قائد عسكري إيراني منذ الثورة وأحد أعمدة النظام الأمنية، لذا مثل اغتياله صدمة كبرى في إيران وتصعيدًا خطيرًا كاد يشعل حربًا شاملة في المنطقة.توعدت طهران برد انتقامي قاسٍ، وبعد خمسة أيام أطلقت وابلًا من الصواريخ الباليستية على قاعدة عين الأسد في العراق التي تستضيف قوات أمريكية، ما أدى إلى إصابة العشرات من الجنود الأمريكيين بجروح.وفي خضم حالة الاستنفار تلك، وبينما كانت الدفاعات الإيرانية في أقصى درجات التأهب، أسقطت بطريق الخطأ طائرة ركاب أوكرانية قرب طهران ظنًا أنها هدف معادٍ، فلقي 176 شخصًا حتفهم في مأساة أليمة هزّت الرأي العام.
على الصعيد النووي، أعلنت إيران عقب اغتيال سليماني أنها لم تعد ملتزمة بأي قيود على تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، لتعلن فعليًا موت الاتفاق النووي من جانبها.أما إدارة ترامب فاستمرت خلال عام 2020 في تكثيف ضغوطها، فسعت في مجلس الأمن لتمديد حظر الأسلحة الأممي على إيران الذي كان مقررًا أن ينتهي وفق اتفاق 2015، لكنها فشلت في حشد الأصوات الكافية لتمرير ذلك نتيجة معارضة روسيا والصين ودول أخرى.وقبيل انتهاء ولاية ترامب، فرضت إدارته رزمًا جديدة من العقوبات طالت عشرات الكيانات والمسؤولين الإيرانيين بحجج متنوعة كالتدخل في الانتخابات الأمريكية، وتطوير أسلحة محظورة، وقمع احتجاجات نوفمبر 2019.في المقابل، كانت إيران تُسرِّع خطوات برنامجها النووي؛ فبعد اغتيال أبرز علمائها النوويين محسن فخري زاده في أواخر 2020 في عملية اتُهمت بها إسرائيل، أقر البرلمان الإيراني قانونًا يوجب رفع نسبة التخصيب إلى 20%وطرد مفتشي الوكالة الدولية إذا لم تُرفع العقوبات المصرفية والنفطية.وهكذا سلّم ترامب البيت الأبيض وخلافه مع طهران في ذروة التوتر، مع تراكم العقوبات القصوى واقتراب إيران أكثر من عتبة امتلاك المواد الانشطارية اللازمة لقنبلة نووية.
ثامنا:سياسات إدارة بايدن والتطورات الأخيرة(2021–2024)
مع تولي جو بايدن الرئاسة في يناير 2021، أعلنت إدارته عزمها العودة إلى الاتفاق النووي شريطة عودة إيران للامتثال الكامل بالتزاماتها.انطلقت بالفعل جولات تفاوض غير مباشرة في فيينا بدءًا من أبريل 2021 بين ممثلي إيران والولايات المتحدة بحضور الأطراف الدولية الموقعة على الاتفاق، حيث اجتمع الوفدان في غرف منفصلة وتولى دبلوماسيون أوروبيون التنقل بينهما بسبب رفض طهران الحوار المباشر.ركزت المباحثات على وضع خارطة طريق لـالعودة المتزامنة إلى الاتفاق، بيد أنها سرعان ما اصطدمت بعقبات حول أي الطرفين ينبغي أن يبادر بالخطوة الأولى رفع العقوبات أم العودة للقيود النووية.ورغم تحقيق بعض التقدم، فإن انتخاب إبراهيم رئيسي–المحسوب على الخط المحافظ المتشدد–رئيسًا لإيران في يونيو 2021 أدّى إلى تباطؤ المفاوضات لشهور، حيث أكمل فريقه الحكومي الجديد الانتقال واستلم الملف.وعندما استؤنفت المحادثات أواخر 2021، بدا الوفد الإيراني أكثر تشددًا مقارنة بسلفه، إذ طرح مطالب إضافية ورفض التنازل في قضايا أساسية، في وقت كانت فيه إيران قد طورت قدراتها النووية بشكل ملموس بما في ذلك رفع التخصيب إلى مستوى 60%وهو قريب من المستوى العسكري.
وفي مارس 2022 وصلت المحادثات إلى مرحلة شبه منجزة مع الاتفاق على معظم البنود التقنية، لكن اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية تسبّب في تعليقها لفترة، ثم ظهرت عقبات جديدة مع إصرار موسكو على ضمانات بعدم تأثير العقوبات الغربية عليها في تعاونها مع إيران، ورفض واشنطن رفع الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب كشرط إيراني.وبحلول يوليو 2022، ورغم تبادل مسودات نهائية محتملة، لم يحدث اختراق يُذكر، وحذر مسؤولون أمريكيون من أن الوقت ينفد لإنقاذ الاتفاق وسط تقارير تفيد بأن إيران راكمت كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لصنع قنبلة نووية واحدة على الأقل إذا تم تخصيبها بدرجة أعلى علماً بأن تحويل تلك المواد إلى سلاح فعلي قد يستغرق أشهر أو سنوات.خلال زيارته لإسرائيل في يوليو 2022، أكد بايدن التزامه بمنع إيران نووية واستخدام جميع عناصر القوة الأمريكية لتحقيق ذلك الهدف إذا فشلت الدبلوماسية.
في غضون ذلك، كانت الأجواء الداخلية في إيران تنذر بتطورات جديدة؛ إذ اندلعت في سبتمبر 2022 موجة احتجاجات واسعة غير مسبوقة عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.رفع المتظاهرون شعارات مناهضة للمرشد علي خامنئي وطالب كثيرون بإسقاط النظام.واجهت السلطات هذه الانتفاضة بقمع دموي شمل اعتقال ما يزيد عن 12 ألف شخص وقتل المئات، مع فرض قيود صارمة على الإنترنت لمنع التواصل والتنظيم.انحازت إدارة بايدن بصورة واضحة للاحتجاجات، ففرضت عقوبات على المسؤولين والأجهزة الضالعة في القمع ومنحت استثناءات لشركات التقنية لتوفير خدمات الإنترنت للشعب الإيراني.وبالتوازي، تدهور مناخ المفاوضات النووية أكثر فأكثر، حيث أعلنت واشنطن في أكتوبر 2022 تعليقها إلى أجل غير مسمى بسبب انتهاكات إيران المستمرة للاتفاق ودعمها العسكري لروسيا في حرب أوكرانيا.
في ضوء ذلك، ركزت الإدارة الأمريكية على تحصين تحالفاتها الإقليمية لكبح نفوذ إيران؛ فشاركت في مارس 2022 في تأسيس إطار منتدى النقب للتنسيق الإقليمي بين إسرائيل وعدة دول عربية بهدف ردع إيران ومواجهة تهديداتها الأمنية.كما قامت الولايات المتحدة بسرية بجمع مسؤولين عسكريين من دول الخليج ومصر والأردن وإسرائيل لتطوير تكتيكات مشتركة للتصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية.ورغم الجمود السياسي، شهدت نهاية 2022 وبداية 2023 جهودًا دبلوماسية جانبية عبر وسطاء إقليميين قطر وعُمان والعراق أفضت إلى إبرام صفقة تبادل سجناء في سبتمبر 2023:أفرجت إيران بموجبها عن خمسة معتقلين أمريكيين من أصول إيرانية، بينما سمحت واشنطن بالإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بقيمة 6 مليارات دولار في كوريا الجنوبية لصالح إيران على أن تُستخدم للأغراض الإنسانية فقط، كما أسقطت تهمًا عن خمسة إيرانيين في الولايات المتحدة أفرج عن اثنين منهم لمصلحة العودة إلى إيران.اعتُبرت هذه الخطوة الإنسانية بارقة أمل محدودة في جدار العلاقة المتأزم، لكن سرعان ما تلاشت الآمال بأن تقود لانفراجة أوسع.
فبعد أقل من شهر، اندلعت حرب غزة في أكتوبر 2023 إثر هجوم شنّته حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل، مُوقعًا خسائر كبيرة.وعلى الفور، جمدت واشنطن بالاتفاق مع قطر الأموال الإيرانية التي أُفرج عنها ضمن صفقة التبادل، منعًا لوصولها إلى طهران في ظل الظروف الملتهبة.ورغم تأكيد الاستخبارات الأمريكية عدم وجود دليل يُثبت تورط إيران المباشر في تخطيط هجوم حماس، فإن واشنطن وحلفاءها اعتبروا إيران مستفيدًا وداعمًا رئيسيًا له بحكم علاقتها الطويلة بتسليح وتمويل حماس.
في الوقت نفسه، تعرضت قواعد أمريكية في سوريا والعراق لهجمات متكررة من قوات موالية لإيران خلال أزمة غزة، فقامت إدارة بايدن بإرسال حاملة طائرات ومجموعات قتالية بحرية إلى شرق المتوسط والخليج لردع أي محاولة إيرانية لتوسيع نطاق النزاع.وأكدت واشنطن أنها ستدافع عن قواتها ومصالحها ضد أي اعتداءات مدعومة إيرانيًا.وهكذا، بنهاية 2023 ومطلع 2024، كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية في حالة جمود عميق:لا حوار دبلوماسي مباشر ولا أفق لإحياء الاتفاق النووي، مقابل استمرار سياسة العقوبات الأمريكية والضغوط العسكرية بالوكالة، واستمرار إيران في تطوير برنامجها النووي وتعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين لمواجهة العزلة الغربية.
الخلاصة:تغيّر الديناميكيات وتأثيرها على الأمن الإقليمي والدولي
على مدار العقود السبعة الماضية، انتقلت العلاقات الأمريكية الإيرانية من تحالف إستراتيجي خلال حقبة الشاه إلى عداوة صارخة بعد الثورة الإسلامية، وباتت إحدى أكثر العلاقات توترًا في النظام الدولي المعاصر.تغيرت دوافع الصراع وتوجهاته عبر السنين بتغير القيادات والظروف الدولية؛ فبعد أن كان النفط والتصدي للنفوذ السوفياتي محور التحالف في عهد الشاه، أصبح بعد 1979 صراعًا أيديولوجيًا بين الثورة الإسلامية وواشنطن، ثم تحول تدريجيًا إلى تنافس على النفوذ الإقليمي وترسيخ الذات كقوة إقليمية مضادة للمصالح الأمريكية.
إن قراءة المسار التاريخي لهذه العلاقة المضطربة تظهر أن جوهر الأزمة لا يقتصر على الخلافات العقائدية بعد الثورة، بل يعود إلى ما هو أعمق.بدايةً، هناك إرث انقلاب 1953 وما خلّفه من ندوب في الذاكرة السياسية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة، ثم عقود التحالف النفطي-الأمني في عهد الشاه التي ربطت تحديث إيران الداخلي بالدعم الخارجي الأمريكي، وأخيرًا تحول إيران بعد 1979 إلى مشروع ثوري ذي تطلعات إقليمية يتحدى الهيمنة الأمريكية.وبين هذه المراحل، ظل النفط حاضرًا في الخلفية لكنه لم يعد المحرك الوحيد؛ إذ يتمحور الصراع اليوم أساسًا حول توزع النفوذ والأمن الإقليمي ومكانة إيران في النظام الدولي.
وقد تركت هذه العلاقة بصماتها العميقة على هيكل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.فمن جهة، أدى العداء الأمريكي الإيراني المزمن إلى دفع دول الخليج العربي وإسرائيل نحو تقارب غير مسبوق وتنسيق أمني مشترك برعاية أمريكية لمواجهة ما تعتبره تلك الدول تهديدًا إيرانيًا لأمنها.وشهدنا خلال العقدين الأخيرين تشكّل محاور إقليمية جديدة كمنتدى النقب وغيره هدفها العلني كبح نفوذ إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي.
في المقابل، اعتمدت إيران إستراتيجية محور المقاومة لتعزيز أوراقها، عبر بناء شبكة من الفصائل المسلحة الحليفة حزب الله في لبنان، الميليشيات الشيعية في العراق، الحوثيين في اليمن وغيرها واستخدامها كأذرع لمد نفوذها ومواجهة الوجود الأمريكي وحلفائه في المنطقة.وقد ساهم هذا التنافس في تأجيج حروب أهلية وصراعات بالوكالة في الشرق الأوسط، ما بين حرب لبنان الأهلية في الثمانينيات، إلى الصراع في العراق بعد 2003، ثم الحربين السورية واليمنية في العقد الماضي–وكلها لعب فيها الطرفان دورًا ملموسًا عبر الدعم العسكري والتمويل للوكلاء.
دوليًا، كان للاصطدام الأمريكي الإيراني تبعات تتجاوز المنطقة.فقد تأثرت أسواق الطاقة العالمية سلبًا نتيجة العقوبات على النفط الإيراني وتهديدات إغلاق مضيق هرمز في أوقات التصعيد، مما أوجد تقلبات في إمدادات النفط وأسعاره.وعلى صعيد منع انتشار الأسلحة النووية، مثل البرنامج النووي الإيراني اختبارًا صعبًا لمنظومة عدم الانتشار الدولية، فأي فشل في تقييده دبلوماسيًا كان يمكن أن يدفع نحو سباق تسلح نووي إقليمي إذ لوحت دول كالسعودية بالحذو حذو إيران إذا امتلكت سلاحًا نوويًا.كما سبّب الخلاف انقسامات بين القوى الكبرى، حيث دعمت روسيا والصين حق إيران في برنامج نووي سلمي وعارضتا مرارًا تشديد العقوبات الدولية عليها، ما أعاق أحيانًا وحدة الموقف في مجلس الأمن.
وفي السنوات الأخيرة، زاد التقارب الإيراني مع كل من موسكو وبكين في المجالات الاقتصادية والعسكرية كرد فعل للعقوبات الأمريكية من تحدي النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
ختامًا، بحلول عام 2024 تبدو العلاقة الأمريكية الإيرانية عالقة في حلقة مفرغة من عدم الثقة والتوتر المستمر.ورغم تغير الإدارات الأمريكية وتبدّل رؤساء إيران، لم تنجح أي منهما في بلورة تسوية شاملة للصراع الممتد.فالفترات النادرة التي شهدت انفتاحًا دبلوماسيًا كحقبة الاتفاق النووي 2015 أثبتت أنها مؤقتة وقابلة للتراجع السريع أمام الضغوط الداخلية والخارجية.في المقابل، أدى استمرار العداء إلى تعزيز التيارات المتشددة في كلا البلدين، والتي تتغذى على شيطنة الآخر.
إن تداعيات هذه العلاقة العدائية تنعكس بشكل مباشر على الأمن الإقليمي والدولي؛ فاستمرار التصعيد قد يقود إلى مواجهات عسكرية أوسع نطاقًا سواء عبر حسابات خاطئة في الخليج أو ضربات استباقية إسرائيلية ضد برنامج إيران النووي، وهي سيناريوهات تحمل أخطارًا جسيمة على السلم والاستقرار.بالمقابل، يبقى خيار العودة إلى طاولة المفاوضات واستكشاف صفقة كبرى جديدة أمرًا ضروريًا–وإن بدا بعيد المنال حاليًا–لتجنب سيناريوهات الحرب ولمعالجة الملفات الشائكة كالبرنامج النووي والدور الإقليمي لإيران ضمن إطار يطمئن المخاوف الأمنية لجميع الأطراف.
وبالتالي، تظل العلاقة الأمريكية الإيرانية إحدى أكبر التحديات أمام الدبلوماسية الدولية في القرن الحادي والعشرين، وسيكون لمآلاتها تأثير عميق على رسم مستقبل الشرق الأوسط وتوازنات القوى فيه لعقود قادمة.

التعليقات