اعدام لويس السادس عشر – 21 يناير 1793: كسر الرمز الذي حكم اوروبا

إعدام لويس السادس عشر كسر قداسة العرش وفتح بابًا جديدًا للسلطة باسم الشعب.

اعدام لويس السادس عشر – 21 يناير 1793: كسر الرمز الذي حكم اوروبا

في مثل هذا اليوم من عام 1793، شهدت باريس لحظة صادمة لم تعرفها اوروبا الحديثة من قبل:اعدام الملك لويس السادس عشر بالمقصلة في ساحة الثورة.لم يكن المشهد مجرد نهاية حكم فرد، بل اعلان قاطع عن انهيار فكرة قداسة العرش التي شكلت العمود الفقري للشرعية السياسية في القارة لقرون.منذ تلك اللحظة، لم تعد السلطة تُفهم بوصفها امتيازا يولد مع الدم او تفويضا سماويا، بل كنتاج ارادة بشرية قابلة للمساءلة، وحتى للعقاب العلني.

لفهم لماذا كانت هذه اللحظة بهذه القسوة الرمزية، يجب التذكير بان الثورة الفرنسية لم تبدأ كحملة لقطع الرؤوس، بل كازمة مالية واجتماعية خانقة.الدولة كانت شبه مفلسة، النظام الضريبي غير عادل، والطبقات الشعبية والوسطى تشعر بالاختناق، بينما الارستقراطية ورجال الدين يتمتعون بالامتيازات.في بداياتها، حملت الثورة مطالب اصلاحية:دستور، تمثيل سياسي، وحد من سلطة الملك.لكن مع مرور السنوات القليلة بين 1789 و1793، تحول الصراع من اصلاح النظام الى صراع على معنى الشرعية نفسها.

خلال هذه المرحلة، تبدلت صورة الملك جذريا.من“الملك الاب”الحامي للرعية، اصبح في المخيال الثوري“الملك المتهم”.زادت الشكوك حول ولائه للثورة، خصوصا مع محاولات الهروب، ومع تصاعد الحرب ضد القوى الاوروبية الملكية التي رأت في الثورة تهديدا مباشرا.في هذا السياق، لم تعد محاكمة لويس السادس عشر شانا قضائيا فقط، بل اعلانا سياسيا:الدولة لم تعد ملكا لعائلة، والسلطة لم تعد حقا وراثيا.لذلك جاء الاعدام لا كعقوبة جنائية فحسب، بل كطقس علني يعلن امام الشعب انتقال مصدر الحكم من السماء والوراثة الى الارض والناس.

اهمية هذه اللحظة تكمن في انها حولت السيادة من جسد الملك الى كيان مجرد اسمه الامة.الدولة الحديثة ولدت هنا، لكنها ولدت عبر فعل عنيف.المقصلة لم تكن اداة قتل فقط، بل لغة سياسية تقول ان النظام القديم لا يمكن دفنه بصمت، بل يجب اسقاطه امام الجمهور.غير ان هذه القطيعة خلقت مفارقة خطيرة:الثورة التي اسقطت قداسة العرش، انتجت شكلا جديدا من القداسة، هو قداسة الارادة العامة، التي ستبرر لاحقا الارهاب الثوري باسم حماية التجربة.

الصدمة لم تكن فرنسية فقط، بل اوروبية بامتياز.اعدام ملك علنا كان رسالة مرعبة لملوك القارة:اذا سقط العرش في باريس، فقد يسقط الخوف من العرش في اي مكان.لذلك تسارعت التحالفات الملكية، واندلعت الحروب، وبدأ صراع وجودي بين نموذجين للدولة:نموذج قديم يقوم على الشرعية الوراثية والتحالفات الارستقراطية، ونموذج جديد يتحدث عن المواطن والحقوق والتمثيل.منذ 21 يناير 1793، لم تعد الثورة الفرنسية حدثا داخليا، بل“عدوى سياسية”تخشاها اوروبا.

كفلاش باك، تكشف هذه اللحظة كيف وُلدت الدولة الحديثة من قطيعة دموية مع الماضي.اعدام لويس السادس عشر لم يكن فقط نهاية ملك، بل نقطة اللاعودة:بعد سقوط الرأس، لم يعد ممكنا العودة الى التسويات الرمادية.اما ان تنتصر الثورة او تُسحق، اما ان تُبنى شرعية جديدة او ينهار كل شيء.ولهذا بقي هذا اليوم محفورا في الذاكرة السياسية، لا بوصفه مشهدا دمويا فحسب، بل كلحظة اعادت تعريف معنى الحكم في اوروبا والعالم.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)