في 18 فبراير 2001، لم يكن الحدث مجرد اعتقال موظف حكومي، بل كان لحظة صدمة وجودية لمؤسسة اعتبرت نفسها رمزاً للأمن والانضباط.عندما اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي أحد عملائه المخضرمين، روبرت هانسن، لم يكن يعتقل جاسوساً عادياً، بل كان يواجه حقيقة أكثر إزعاجاً:أخطر التهديد لم يكن خارج النظام، بل داخله.رجل أمضى أكثر من عقدين في حماية الدولة، كان في الوقت نفسه يعمل بصمت على تقويضها.هذه المفارقة تكشف حقيقة أعمق عن طبيعة المؤسسات، والثقة، والخيانة.
ما يجعل قضية هانسن استثنائية ليس فقط حجم الضرر الذي تسبب به، بل الطريقة التي تمكن بها من الاستمرار لمدة 20 عاماً دون اكتشاف.لم يكن هانسن شخصية هامشية أو معزولة.كان جزءاً من المؤسسة، يفهم آلياتها، يعرف نقاط قوتها وضعفها، ويتحرك داخلها بثقة.هذه المعرفة لم تكن مجرد ميزة، بل كانت سلاحه الأساسي.فالجاسوس الخارجي يحتاج إلى اختراق النظام، أما الجاسوس الداخلي فهو النظام نفسه.لا يحتاج إلى كسر الأبواب، لأنه يملك المفاتيح بالفعل.
روبرت هانسن كان يعمل جاسوساً لصالح جهاز الاستخبارات السوفيتي"KGB"، ولاحقاً لصالح جهاز الاستخبارات الروسي"SVR"بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.بدأ نشاطه التجسسي فعلياً في عام 1979، واستمر بشكل متقطع حتى اعتقاله في عام 2001.خلال هذه الفترة، قام بتسليم آلاف الوثائق السرية للغاية، بما في ذلك أسماء عملاء أمريكيين سريين يعملون داخل الاتحاد السوفيتي، وخطط دفاعية نووية، واستراتيجيات مراقبة حساسة.بعض هؤلاء العملاء الذين كشف هانسن هوياتهم تم اعتقالهم، ويُعتقد أن بعضهم أُعدم نتيجة لذلك.مقابل هذه المعلومات، تلقى هانسن أكثر من 1.4 مليون دولار نقداً، إضافة إلى مجوهرات وأموال مودعة في حسابات سرية.ومع ذلك، لم يلتقِ أبداً بمشغليه وجهاً لوجه، بل استخدم أسلوب"النقاط الميتة"، حيث يترك المعلومات في أماكن محددة ويتم جمعها لاحقاً، مما يقلل من احتمال كشفه.
تكشف هذه الحالة عن حقيقة أساسية:المؤسسات تُبنى على الثقة بقدر ما تُبنى على الرقابة.لكن هذه الثقة، التي تجعل العمل ممكناً، يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف.فالمؤسسات، بطبيعتها، لا تستطيع أن تشك في كل فرد طوال الوقت.هناك افتراض ضمني بأن من ينتمي إلى النظام هو جزء منه، وليس تهديداً له.هانسن استغل هذا الافتراض.لم يكن عليه أن يتخفى، بل كان عليه فقط أن يبدو طبيعياً.كان يؤدي عمله، يلتزم بالقواعد، ويحافظ على صورة الموظف المثالي.هذه"الطبيعية"كانت أفضل غطاء ممكن.
ما يميز الخطر الداخلي هو أنه غير مرئي.المؤسسات مصممة لاكتشاف التهديدات الخارجية:المتسللين، الهجمات، الاختراقات.لكن التهديد الداخلي لا يترك نفس الإشارات.إنه يتحرك ضمن الحدود المسموح بها.هانسن لم يكن بحاجة إلى تجاوز النظام، بل كان يعمل داخله.كل خطوة قام بها كانت تبدو، في ظاهرها، جزءاً من عمله.هذه القدرة على الاختباء داخل"الطبيعي"هي ما يجعل الخيانة الداخلية صعبة الاكتشاف.
رغم استمراره لعقود دون كشف، فإن نهاية هانسن جاءت نتيجة تحول حاسم في عمل الاستخبارات الأمريكية.في أواخر التسعينيات، بدأت الشكوك تتزايد حول وجود جاسوس داخلي.تمكنت وكالة الاستخبارات المركزية من الحصول على ملف سري من مصدر روسي سابق، مقابل مبلغ مالي كبير، يحتوي على معلومات تشير إلى وجود عميل داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي.هذا الملف لم يذكر الاسم صراحة، لكنه تضمن تفاصيل كافية، بما في ذلك تسجيل صوتي ورسائل، سمحت للمحققين بتحديد هوية هانسن تدريجياً.بعد ذلك، وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي هانسن تحت مراقبة دقيقة، وتم تعيين عميل لمراقبته سراً.وفي 18 فبراير 2001، تم القبض عليه أثناء قيامه بترك حزمة سرية في نقطة ميتة داخل حديقة في ولاية فرجينيا، وهي الطريقة نفسها التي استخدمها لسنوات لنقل المعلومات السرية.هذه اللحظة لم تكن مجرد اعتقال، بل كانت كشفاً لصمت استمر عقدين.
تكشف هذه القضية أيضاً عن وهم السيطرة الذي تعيشه المؤسسات.هناك اعتقاد بأن الأنظمة المعقدة، بقواعدها وإجراءاتها، قادرة على منع الاختراق.لكن هانسن أظهر أن التعقيد لا يمنع الخيانة، بل قد يخفيها.فكلما زاد تعقيد النظام، زادت المساحات التي يمكن أن تختبئ فيها الانحرافات.التعقيد يخلق ضوضاء، وداخل هذه الضوضاء يمكن أن تمر الإشارات دون أن تُلاحظ.
لكن السؤال الأهم ليس كيف خان هانسن النظام، بل لماذا استمر لفترة طويلة دون اكتشاف.الإجابة تكمن في طبيعة الإدراك المؤسسي.المؤسسات تميل إلى رؤية ما تتوقع رؤيته.عندما يكون شخص ما جزءاً من النظام لفترة طويلة، يصبح جزءاً من"المشهد الطبيعي".لم يعد يُنظر إليه كمتغير، بل كثابت.هذا التحول الإدراكي يقلل من احتمالية الشك.بمرور الوقت، تتحول الثقة من حالة واعية إلى حالة تلقائية.
في النهاية، تكشف قصة روبرت هانسن أن الخطر الأكبر ليس دائماً ذلك الذي يقف خارج الجدران، بل ذلك الذي يجلس داخلها بهدوء.الخيانة الأكثر فعالية ليست تلك التي تحطم الأبواب، بل تلك التي تمر عبرها دون أن تثير أي انتباه.وربما الدرس الأكثر إزعاجاً هو أن أخطر جاسوس ليس الشخص الذي ينجح في دخول النظام، بل الشخص الذي كان دائماً جزءاً منه.

التعليقات