كيف تحولت تهمة تجسس لزوجين بريطانيين في إيران إلى مواجهة بين لندن وطهران؟

رحلة سياحية تحولت إلى تهمة تجسس… وقضية فردية أشعلت أزمة بين دولتين.

كيف تحولت تهمة تجسس لزوجين بريطانيين في إيران إلى مواجهة بين لندن وطهران؟

تتحول"قضايا التجسس"في العلاقات الدولية عادة من ملفات قانونية مغلقة إلى أزمات دبلوماسية مفتوحة عندما تتقاطع ثلاثة عناصر:غموض الأدلة، حساسية الأمن القومي، وحضور الرأي العام.وهذا بالضبط ما تكشفه قصة الزوجين البريطانيين كريغ فورمان وليندسي فورمان اللذين أصدرت محكمة إيرانية بحقهما حكمًا بالسجن 10 سنوات بتهمة"التجسس"، في قضية أخذت سريعًا مسارًا سياسيًا وإعلاميًا جعلها اختبارًا جديدًا للعلاقة المتوترة أصلًا بين لندن وطهران.وفق تغطية رويترز، فإن الحكومة البريطانية وصفت الحكم بأنه"غير مبرر تمامًا"، بينما تقول الأسرة إنها لم ترَ"أدلة"تدعم الاتهام، وإن المحاكمة كانت قصيرة إلى درجة تثير الشكوك حول عدالة الإجراءات(Reuters,2026a).
تفاصيل القضية المتاحة حتى الآن ترسم قصة تحمل عناصر دراما"واقعية":زوجان في رحلة سفر طويلة يتحولان فجأة إلى ملف أمني.فبحسب ما نقلته رويترز وتقارير متقاطعة، كان الزوجان في رحلة على دراجة نارية حول العالم، وأوقفتهما السلطات الإيرانية في يناير 2025 أثناء وجودهما داخل البلاد.لاحقًا، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية عبر وكالة"ميزان"أن البريطانيين وُجهت إليهما تهم"التجسس"، مع اتهامهما بـ"جمع معلومات"في مناطق مختلفة من إيران(Reuters,2025).

توضح الرواية الإيرانية للقضية، كما نُقلت عن وكالة"ميزان"التابعة للسلطة القضائية، أن الزوجين دخلا البلاد"كسائحين"لكنهما"جمعا معلومات في عدة محافظات"، وهو توصيف يجعل القضية في نظر طهران ملف أمن قومي لا مجرد خلاف قنصلي.ووفق ما نُسب إلى مسؤول قضائي عبر"ميزان"، فإن التحقيقات ربطت الزوجين بما وُصف بأنه"خدمات استخباراتية"، وأن التحريات كانت جارية وقت إعلان الاتهام لتحديد طبيعة تلك الصلات، دون نشر تفاصيل علنية عن ماهية المعلومات التي جُمعت أو كيف تُرجمت إلى تهمة تجسس أمام المحكمة(Reuters,2025).هذا النمط من الإيجاز ليس نادرًا في قضايا الأمن القومي، إذ تميل السلطات إلى الحد من نشر التفاصيل بدعوى حماية أساليب التحقيق أو منع كشف معلومات حساسة، لكنه في الوقت نفسه يُبقي مساحة واسعة للتأويل الخارجي حول قوة الأدلة ومعايير المحاكمة.من منظور إيراني، مجرد التحرك عبر مناطق متعددة مع نشاط يُفسَّر على أنه"جمع معلومات"قد يرقى إلى تهديد أمني، خصوصًا في ظل سياق توتر مع دول غربية وعقوبات وملفات سياسية مفتوحة، وهو ما يدفع الأجهزة القضائية والأمنية إلى قراءة بعض سلوكيات السفر بعيون"الاشتباه الوقائي"لا بعيون"النوايا السياحية".

وفي سياق متصل، تداولت تقارير نسبت تصريحات إلى المتحدث باسم القضاء الإيراني أشارت إلى أن القضية لا تُقدَّم داخليًا كحادثة عابرة، بل كملف تُطبّق عليه إجراءات محاكم الثورة في قضايا"التجسس"و"الأمن".وبحسب ما نُقل عن متحدثين قضائيين في هذا السياق، فإن الاتهام يقوم على فكرة"التستر بالسياحة"أثناء القيام بمهام تُوصَف بأنها استخبارية، وهو إطار تستخدمه إيران أحيانًا لتفسير حالات ترى فيها أنشطة ميدانية—تصويرًا، أو تدوينًا، أو تواصلًا—تجاوزت حدود السلوك السياحي المعتاد(Reuters,2025).هذه الرواية تُقابلها عادةً، في الجانب البريطاني والأسري، شكوى من عدم عرض الأدلة علنًا ومن قِصر الجلسات، لكن من زاوية إيران فإن قضايا الأمن القومي لا تُناقش غالبًا في المجال العام بالطريقة نفسها التي تُناقش بها القضايا المدنية، وأن الحفاظ على سرية بعض التفاصيل جزء من"منطق الملف"لا دليلًا بحد ذاته على ضعفه.وبذلك، تصبح الأزمة الدبلوماسية انعكاسًا لتصادم معيارين:معيار الشفافية الإجرائية الذي تطالب به لندن وأسرة المتهمين، ومعيار السرية الأمنية الذي تتذرع به طهران في قضايا تعتبرها حساسة.

لكن العقدة التي دفعت القضية من خانة"خبر قضائي"إلى خانة"أزمة دبلوماسية"تمثلت في رواية الأسرة بشأن مسار المحاكمة.بحسب ما نقلته رويترز، قالت الأسرة إن الزوجين مثلا أمام محكمة ثورية في جلسة استمرت ثلاث ساعات، ولم يُسمح لهما بتقديم دفاع فعلي(Reuters,2026a).وتكرر هذا المعنى في تقارير أخرى مثل فايننشال تايمز والغارديان، مع وصف ما جرى بأنه إجراء سريع ومغلق في قضية بالغة الخطورة(Financial Times,2026;The Guardian,2026).هذه النقطة تحديدًا تصنع ضغطًا على لندن؛ لأن انتقاد الحكم يصبح عمليًا انتقادًا لعدالة النظام القضائي الإيراني نفسه، وهو ما ترفضه طهران عادة باعتباره"تسييسًا".

من حيث الوقائع، تقول رويترز إن الزوجين محتجزان في سجن إيفين بطهران:ليندسي في قسم النساء، وكريغ في جناح يُشار إليه باعتباره جناحًا سياسيًا(Reuters,2026a).ووفق تصريحات الأسرة، كانت هناك فترات عزلة وصعوبات في التواصل، ومحدودية في الوصول إلى محامين، وتعقيدات في الزيارات القنصلية.مثل هذه التفاصيل، حتى عندما لا يمكن التحقق من كل جزئية فيها من طرف مستقل، تصبح جزءًا من"ملف الضغط"لأن الإعلام البريطاني والبرلمان ومنظمات حقوقية غالبًا ما تعتبرها مؤشرات على هشاشة الضمانات الإجرائية في قضايا الأمن القومي.

وهنا يظهر البعد الإعلامي بوصفه محركًا للتصعيد.فتصريحات وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر جاءت حادة وفق رويترز وFT:"مريع تمامًا"و"غير مبرر كليًا"، مع وعد بمواصلة الضغط من أجل الإفراج.في المقابل، تحدث أفراد من العائلة—ومنهم ابن ليندسي، جو بينيت—عن أنهم لم يروا أدلة، وأنهم قلقون على سلامتهما(The Guardian,2026).عندما تتحول تصريحات الأسرة إلى عناوين يومية، تصبح الحكومة البريطانية مضطرة لإظهار"حركة"دبلوماسية كي لا تُتهم بالتراخي، خصوصًا أن الذاكرة العامة في بريطانيا ما تزال تحتفظ بملفات سابقة لاحتجاز بريطانيين/إيرانيين-بريطانيين وما رافقها من جدل سياسي طويل.

الخبر الأكثر حساسية في القضية هو أن الحكم جاء في لحظة تتسم بتوترات أوسع بين إيران والغرب، بما في ذلك ملفات مرتبطة بالعقوبات والملف النووي.هذا لا يعني أن القضية"مصنوعة"لهذا الغرض، لكنه يوضح لماذا تتحول بسرعة إلى أزمة دبلوماسية:لأن كل طرف يقرأها ضمن سياق صراعه الأكبر مع الطرف الآخر.لذلك، لا تُدار القضية فقط عبر قنوات القنصلية، بل عبر حسابات رسائل:بريطانيا تريد حماية مواطنيها وفرض كلفة سياسية على احتجازهم، وإيران تريد تثبيت خطاب السيادة القضائية وعدم الاستجابة لما تراه"ضغطًا".

المراجع

رويترز.(2025).توجيه تهم تجسس لمواطنين بريطانيين في إيران وفق السلطة القضائية.وكالة رويترز.

رويترز.(2026أ).بريطانيا تدين حكم السجن 10 سنوات على زوجين بريطانيين في إيران.وكالة رويترز.

وكالة ميزان للأنباء.(2025).بيان السلطة القضائية بشأن قضية المواطنين البريطانيين.طهران.

وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان(هرانا).(2026).تقارير بشأن قضية المواطنين البريطانيين المحتجزين في إيران.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)