في مثل هذا اليوم 31 ديسمبر 1991، لم يكن العالم يشاهد"خبر انهيار"فقط، بل يشاهد تثبيت تاريخ رسمي لنهاية دولة كانت لعقود قطبا موازيا للغرب.قيمة هذا التاريخ ليست انه صنع التحول من العدم، بل انه وضع ختم النهاية على عملية كانت تتسارع:جمهوريات تعلن استقلالها، مركز يفقد السيطرة، وبنى حكم واقتصاد تتفكك امام اعين العالم.في لحظة واحدة صار المشهد الدولي بلا ثنائية قطبية واضحة، وبدأت مرحلة اعادة توزيع النفوذ:من يمثل"الوريث"؟ من يملك السلاح الاستراتيجي؟ ومن يدير العلاقات الخارجية التي كانت تصدر من عاصمة واحدة؟.هكذا صار شتاء 1991 لحظة ميلاد نظام ما بعد الحرب الباردة:اختفت دولة اتحادية عملاقة، وظهرت 15 دولة مستقلة، ومعها اسئلة حدود وديون وامن نووي وهوية سياسية واقتصاد سوق.
المفتاح هنا هو سرعة«الاعتراف»لا سرعة«التكوين».ففي 25 ديسمبر استقال ميخائيل غورباتشوف وخفض العلم السوفييتي من فوق الكرملين، في مشهد رمزي التقطه العالم كاعلان نهاية عصر.وفي الايام التالية انتقلت ملفات الدولة عمليا:السفارات صارت روسية، وروسيا ورثت المقعد الدائم في مجلس الامن، بينما كانت رابطة الدول المستقلة تحاول ادارة طلاق سياسي سريع بين جمهوريات كانت تتحرك سابقا ضمن مركز واحد.في السياسة الدولية، لحظة انتقال الشرعية هي لحظة الميلاد:من يمثل؟ من يوقع؟ ومن يملك مفاتيح القرار؟
اثر التحول على خرائط النفوذ ظهر اولا في مسالة“الاستمرارية الدولية”.فخلال ايام قليلة انتقلت روسيا لتقديم نفسها بوصفها الدولة الخلف في ملفات تمثيل دولي حساسة، وهو ما وثقته الامم المتحدة عبر الاشارة الى رسالة مؤرخة 24 ديسمبر 1991 من الرئيس الروسي بوريس يلتسن تبلغ الامين العام ان روسيا ستواصل عضوية الاتحاد السوفييتي في المنظمة.وبموازاة ذلك، يوضح مكتب مؤرخ وزارة الخارجية الاميركية ان يوم 25 ديسمبر شهد استقالة غورباتشوف وانزال علم المطرقة والمنجل من فوق الكرملين واستبداله بالعلم الروسي، في مشهد رمزي جعل“الانفصال السلمي”يبدو كولادة نظام دولي جديد امام شاشة واحدة.لكن هذا اليوم الواحد اخفى خلفه هدفا ملحا:منع فوضى نووية وتثبيت انتقال مستقر، وهي اولوية حضرت بقوة في تعامل القوى الكبرى مع مرحلة ما بعد التفكك.
اقتصاديا، ولادة النظام الجديد تعني تفكيك اقتصاد مخطط الى اقتصاديات انتقالية متعددة، كانت مترابطة داخل اتحاد واحد ثم وجدت نفسها تفاوض على عملة وحدود وديون وسلاسل توريد.في هذا السياق تراجع“المركز”وظهرت دول باسواق مختلفة القدرة والسرعة في التحول، ما اعاد تشكيل خريطة الاستثمار والتجارة:شركات تبحث عن خصخصة، دول تعيد كتابة قوانين الملكية، ومجتمعات تواجه تضخما واضطرابا اجتماعيا.وعلى مستوى النظام الدولي، فتح غياب القطب المنافس مساحة اكبر لهيمنة نماذج اقتصاد السوق والمؤسسات المالية العالمية، فصار“الانتقال”جزءا من سردية العولمة في التسعينات، لا حدثا محليا فقط.
اما الطاقة، فهنا يصبح التفكك حدثا عالميا بامتياز:موارد نفط وغاز هائلة لم تعد تحت ادارة اتحادية واحدة، بل بين دول جديدة وحدود جديدة وبنى نقل تعود للحقبة السوفييتية.تقرير حديث لادارة معلومات الطاقة الاميركية عن اقليم بحر قزوين يوضح كيف ظلت بعض حقول الغاز والنفط تعتمد على خطوط تصدير“موروثة”تمر عبر روسيا او ترتبط ببنية انابيب قديمة، ما جعل الجغرافيا السياسية للطاقة بعد 1991 مرتبطة ليس فقط بمن يملك الموارد، بل بمن يملك الممر.هكذا، في 31 ديسمبر، لم ينته كيان سياسي فحسب؛ بل بدأت خريطة جديدة للنفوذ:نفوذ عبر الاعتراف الدولي، نفوذ عبر قواعد السوق، ونفوذ عبر الانابيب والعقود ومسارات التصدير.

التعليقات