اقتصاد الترند الخفي: ما تراه منتشرا ليس عفويا… بل مدفوعا

الترند لم يعد ما يحبه الناس، بل ما تدفع الخوارزميات ليراه الناس مرارًا حتى يبدو مهمًا.

اقتصاد الترند الخفي: ما تراه منتشرا ليس عفويا… بل مدفوعا

لم يعد"الترند"مجرد لحظة عفوية تصعد من الشارع الى الشاشة، بل صار نتيجة هندسة دقيقة داخل اقتصاد نفوذ كامل:سوق يدفع فيه طرف ليربح طرف اخر شيئا غير ملموس لكنه بالغ القيمة:الانتباه، والقبول، والهيبة الرمزية.هنا يظهر السؤال الحقيقي:من يدفع لمن ولماذا؟

في قلب هذا الاقتصاد تقف المنصات كوسيط غير محايد.هي لا"تعرض"المحتوى فقط، بل تسعره عبر الخوارزميات:من يحصل على انتشار اكبر يحصل على فرصة اكبر للربح، ومن يربح اكثر يشتري ادوات انتشار اضافية، فتدور الحلقة.المعلن يدفع للمنصة عبر الاعلانات، والمنصة توزع الانتباه وفق مؤشرات"اداء"تبدو تقنية، لكنها في العمق تعيد تعريف الذوق العام:ما يستحق المشاهدة هو ما يطيل زمن التصفح ويزيد التفاعل، لا ما يضيف معنى.بهذا المعنى، تصبح الخوارزمية سوقا لبيع"المرئي"و"المؤثر"، بينما يدفع المستخدم الثمن بوقته ووعيه وذائقته.

الطرف الثاني في سلسلة الدفع هو صناع المحتوى والمؤثرون، لكنهم ليسوا دائما المستفيد الاكبر.صحيح انهم يحققون دخلا من الاعلانات والرعايات، لكنهم ايضا يعملون داخل نظام يحول الهوية الى سلعة:اسلوب الكلام، شكل الحياة، المواقف، وحتى"العفوية"نفسها تتحول الى منتج قابل للتسويق.الشركات لا تشتري اعلاناً فقط؛ هي تشتري مصداقية اجتماعية جاهزة، وتشتري قربا نفسيا من جمهور يثق بشخص اكثر مما يثق بمؤسسة.لذلك تدفع الشركة للمؤثر، ويدفع المؤثر بدوره"جزءا من هويته"لصالح العلامة، عبر تكييف محتواه وتخفيف مواقفه وتبديل لغته كي يبقى مرغوبا خوارزميا ورعويا.

ثم هناك طبقة ثالثة اقل وضوحا:شبكات الدفع غير المباشر.صفحات اعادة النشر، حسابات"فانز"مدفوعة، مجموعات ترويج، شراء تفاعل، وخدمات ادارة السمعة.هنا لا يدفع المال لشراء منتج، بل لشراء"اشارة اجتماعية":لايك، تعليق، مشاركة، ظهور في صفحة"الترند".وهذه الاشارات هي عملة الذوق والهوية اليوم:اذا رأيت شيئا منتشرا تفترض انه مهم، واذا رأيت شخصا متابعا تفترض انه يستحق الاصغاء.المنصة تعرف هذا، وتستثمر فيه، والفاعلون الاقتصاديون يستغلونه.

المثير في هذا كله ان القيمة الاجتماعية نفسها صارت قابلة للشراء:الشهرة،"الكوول"، القبول، وحتى تعريف النجاح.وحين تصبح القيم قابلة للشراء، تتغير علاقتنا بالهوية:بدل ان نسال"من انا؟"نسال"كيف ابدو؟".وبدل ان يتشكل الذوق عبر التجربة والمعرفة، يتشكل عبر الاشارات المتكررة التي تنتجها الخوارزميات.عندها يصبح الترند ليس مرآة للمجتمع، بل اداة لاعادة تشكيله.

لذلك،"من يدفع لجعلك ترند؟"ليس سؤالا عن المال فقط، بل عن السلطة.من يدفع يشتري موقعا في وعيك:يحدد ما تتذكره، ما تعتبره جميلا، وما تراه ممكنا.وفي اقتصاد النفوذ، اخطر صفقة هي تلك التي لا تشعر بها:حين تدفع انت، كل يوم، من وقتك وهويتك، مقابل احساس سريع بالانتماء.