اختيار الولايات المتحدة لتاريخ 20 يناير كيوم لتنصيب الرئيس ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل نتيجة "اصلاح دستوري" جاء بعد تجربة طويلة اكتشفت فيها الدولة ان الانتقال البطيء للسلطة قد يتحول الى خطر سياسي واقتصادي. تاريخ التنصيب لم يكن دائما في يناير؛ فمنذ بدايات الجمهورية وحتى اوائل القرن العشرين، كان التنصيب يتم في 4 مارس. هذا الموعد كان منطقيا في زمن السفر البطيء والاتصالات المحدودة: كانت البلاد تحتاج وقتا اطول لفرز النتائج، وتجميع الكونغرس، ووصول المسؤولين الى العاصمة. لكن مع تطور الدولة والسكك الحديدية والبرق ثم الهاتف، صار هذا الانتظار الطويل يبدو "بقايا عصر قديم" لا ضرورة عملية.
المشكلة التي دفعت الى التغيير عرفت سياسيا باسم فترة "البطة العرجاء" (Lame Duck): وهي الاشهر التي تلي انتخابات نوفمبر، حيث يبقى رئيس او كونغرس خاسر في الحكم رغم ان تفويضه الشعبي انتهى عمليا، بينما يقف الرئيس المنتخب بلا صلاحيات حقيقية. في هذه الفترة يمكن ان تُتخذ قرارات كبيرة من سلطة في طريقها للخروج، او تتعطل قرارات عاجلة لان الجميع ينتظر القادم. ومع ازمات القرن العشرين، خاصة الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، صار واضحا ان "فراغ الانتقال" ليس مجرد انتظار ممل، بل نافذة خطرة قد تزيد الازمات تعقيدا. لهذا بدأت فكرة تقليص الفجوة بين الانتخابات والتنصيب باعتبارها خطوة لتعزيز الاستقرار الديمقراطي ومنع ازمات دستورية محتملة.
الحل جاء عبر التعديل الدستوري العشرين (المعروف ايضا بلقب "تعديل البطة العرجاء")، الذي تم اعتماده في 1933. هذا التعديل نقل بداية ونهاية ولاية الرئيس ونائبه من 4 مارس الى 20 يناير (عند الظهر)، كما قدم موعد انعقاد الكونغرس الجديد الى 3 يناير. الفكرة هنا ليست "تقديم الحفل"، بل جعل المؤسسات المنتخبة حديثا تبدأ عملها اسرع، بحيث يصبح الكونغرس الجديد قائما قبل الرئيس الجديد، وتقل مدة وجود سلطة "منتهية الصلاحية السياسية" بعد الانتخابات. بهذه الخطوة تقلصت فترة الانتقال بنحو اسابيع عدة، وصار لدى الرئيس المنتخب وقت كاف للاستعداد، لكن دون ان تبقى البلاد اشهرا في حالة انتظار سياسي.
لماذا 20 يناير تحديدا؟ لانه يمثل توازنا عمليا: يمنح وقتا كافيا بعد انتخابات نوفمبر لفرز النتائج رسميا، واجراء ترتيبات الانتقال، وانعقاد الكونغرس الجديد في بداية يناير، ثم تسليم السلطة للرئيس الجديد قبل نهاية يناير. ومن المهم ان التعديل نفسه وضع حلا للحالات الاستثنائية: اذا صادف 20 يناير يوم احد، تُقام مراسم القسم العلنية في اليوم التالي (21 يناير) لتجنب تعارضات دستورية وطقسية مع يوم الاحد.
بهذا المعنى، اختيار 20 يناير يعكس فلسفة اميركية عملية في ادارة الشرعية: الاهم ليس رمزية التاريخ، بل تقليل "الزمن الميت" بين قرار الناخبين وبداية الحكم الفعلي. ومع ان يوم التنصيب تحول مع الوقت الى طقس ضخم، فان جذره الحقيقي هو اصلاح دستوري هدفه حماية الدولة من كلفة الانتظار الطويل، وترجمة ارادة الناخبين الى سلطة تنفيذية باسرع وقت ممكن دون المساس باستقرار الانتقال.

التعليقات