دراسة صادمة: هل تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تكوين أعراف مثل البشر؟

تشير الدراسة إلى أن مجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة يمكن أن تطور أعرافا مشتركة من خلال التفاعل المتكرر بينها، حتى في غياب أي سلطة مركزية أو قواعد مفروضة مسبقا، وهو ما يشير إلى أن سلوك الجماعة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يختلف عن سلوك النموذج الفردي.

دراسة صادمة: هل تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تكوين أعراف مثل البشر؟

لفتت مجلة Nature الانتباه إلى دراسة نشرتها مجلة Science Advances في مايو 2025، بعدما وجدت أن مجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة يمكن أن تطور أعرافا اجتماعية ناشئة من خلال التفاعل المحلي المتكرر فقط، من دون منسق مركزي يفرض عليها قاعدة مشتركة.عرض Nature للفكرة كان واضحا:عندما توضع النماذج في مجموعات وتُجعل تتفاعل في ألعاب بسيطة، فإنها لا تتصرف فقط كأدوات منفردة، بل تبدأ بإظهار خصائص أقرب إلى السلوك الجمعي، مثل التوافق التدريجي على استخدام اسم أو إشارة بعينها.لهذا وصفت Nature هذه النتيجة بأنها خطوة نحو ما يشبه مجتمعات الذكاء الاصطناعي (Nature,2025).

جوهر الدراسة لا يبدأ من سؤال فلسفي كبير، بل من سؤال اجتماعي كلاسيكي:كيف تتشكل الأعراف؟ في المجتمعات البشرية، كثير من القواعد اليومية لا تأتي من قانون رسمي، بل من اعتياد جماعي يتكون عبر التكرار والتفاعل، مثل الألفاظ المستخدمة، أو الإشارات المتفق عليها، أو أنماط السلوك التي تصبح مع الوقت طبيعية.الدراسة سألت ما إذا كان شيء مشابه يمكن أن يحدث داخل مجموعات من النماذج اللغوية عندما تتفاعل مع بعضها عبر اللغة.ولهذا استخدم الباحثون إطارا تجريبيا مستوحى من ما يعرف في العلوم الاجتماعية بلعبة التسمية، وهي طريقة شائعة لدراسة نشوء الاتفاقات اللغوية والاجتماعية (Centola et al.,2025).

بحسب ملخص الدراسة كما ظهر في قواعد البيانات العلمية والمصادر الجامعية، أنشأ الباحثون مجتمعات لامركزية من وكلاء لغويين، بحيث لا يرى كل وكيل المجتمع كله ولا يتلقى تعليمات عامة عن القاعدة المطلوبة، بل يتفاعل محليا مع وكيل آخر في كل مرة.الهدف كان بسيطا:على الوكلاء أن ينجحوا في التنسيق على اختيار تسمية أو إشارة ضمن تفاعل متكرر.ومع استمرار الجولات، بدأت بعض التسميات تتفوق وتنتشر حتى تصبح عرفا سائدا داخل المجموعة كلها.أهمية هذا التصميم أنه لا يعتمد على أمر مركزي، بل على تراكم اتفاقات صغيرة محلية تتسع تدريجيا حتى تتحول إلى قاعدة جماعية.وهذا بالضبط ما جعل الدراسة مثيرة للاهتمام:فهي تقول إن التنسيق الاجتماعي قد يظهر في مجموعات الذكاء الاصطناعي حتى عندما لا يكون مخططا بشكل مباشر (Centola et al.,2025).

النتيجة الأساسية التي شددت عليها الدراسة هي أن الأعراف الاجتماعية يمكن أن تنشأ تلقائيا في مجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة.لكن الدراسة لم تتوقف عند مجرد التوافق.فهي تحدثت أيضا عن التحيز الجمعي.فملخص الورقة يشير إلى أن عملية التنسيق نفسها قد تزيد احتمالية ظهور بعض الأعراف على حساب غيرها، وأن هذا الانحياز لا يمكن استنتاجه بسهولة من فحص كل وكيل منفردا.بعبارة أدق، قد يبدو كل نموذج بمفرده محايدا نسبيا، لكن حين يدخل في شبكة تفاعلات مع نماذج أخرى تظهر خصائص جديدة على مستوى الجماعة لا تظهر على مستوى الفرد.وهذه نقطة مركزية للغاية، لأن الدراسة تحاول أن تنقل النقاش من أداء النموذج المعزول إلى ديناميات الجماعة (Centola et al.,2025).

ومن النتائج المهمة أيضا أن طبيعة هذا الانحياز تختلف باختلاف النموذج المستخدم.وهذا يعني أن المسألة ليست مجرد ذكاء اصطناعي بشكل عام، بل إن نوع النموذج نفسه يؤثر في شكل العرف الذي قد ينشأ، وفي الطريقة التي ينتشر بها داخل المجتمع الاصطناعي.هذا التفصيل مهم تحليليا، لأنه يضع حدا لأي قراءة مبالغ فيها تقول إن جميع النماذج ستتصرف بالطريقة نفسها.الدراسة، على العكس، تلمح إلى أن الشخصية الاجتماعية للمجموعة قد تتأثر ببنية النموذج، وبيانات تدريبه، وآلية استجابته، حتى لو كانت البيئة التجريبية واحدة (Centola et al.,2025).

كما أبرزت الدراسة ظاهرة أخرى لافتة هي ديناميات الكتلة الحرجة.فبعض الشروحات الصحفية والعلمية التي تناولت البحث أشارت إلى أن أقلية صغيرة نسبيا يمكنها أحيانا أن تدفع المجموعة كلها إلى تغيير العرف السائد.هذه النتيجة معروفة في علم الاجتماع والانتشار الثقافي لدى البشر، حيث يمكن لعدد محدود لكنه متماسك أن يعيد تشكيل القاعدة العامة إذا وصل إلى نقطة تأثير حرجة.ظهور شيء مشابه داخل مجموعات من النماذج اللغوية جعل Nature ترى في الدراسة أكثر من مجرد تجربة لغوية؛ فهي بدت كأنها تلتقط آليات اجتماعية أولية داخل فضاء غير بشري (Nature,2025).

مع ذلك، من المهم جدا أن نقرأ الدراسة كما هي، لا كما قد نتخيلها.فهي لا تقول إن النماذج أصبحت واعية أو تملك مجتمعات بالمعنى الإنساني الكامل.ما تقوله، بدقة، هو أن مجموعات من الوكلاء اللغويين يمكن أن تولد أنماط تنسيق جماعي تشبه بعض الخصائص البنيوية في المجتمعات البشرية، مثل نشوء الأعراف وانتشارها وتحولها بآليات قريبة من الكتلة الحرجة.ولهذا فالدراسة تكشف عن شيء مهم، لكنه أضيق من الادعاء الكبير بأن الذكاء الاصطناعي صار مجتمعا كاملا.Natureنفسها صاغت الأمر بحذر عندما تحدثت عن بداية تشكل مجتمعات ذكاء اصطناعي، لا عن وجودها الكامل بالفعل(Nature,2025).

ومن حيث القيمة العلمية، تبدو قوة الدراسة في ثلاث نقاط.أولا، أنها تنقل تحليل الذكاء الاصطناعي من الفرد إلى الجماعة.ثانيا، أنها تستخدم إطارا تجريبيا واضحا ومفهوما من العلوم الاجتماعية، لا مجرد انطباعات عامة عن سلوك النماذج.ثالثا، أنها تكشف أن التحيزات أو القواعد التي تظهر على مستوى الجماعة قد تكون خصائص ناشئة لا يمكن قراءتها مباشرة من خصائص النموذج المفرد.هذه مساهمة منهجية مهمة، لأنها تحذر الباحثين والمطورين من الاكتفاء باختبار كل نموذج وحده، بينما قد تتغير الصورة كليا عندما تعمل النماذج ضمن شبكات أو فرق أو بيئات متعددة الوكلاء (Centola et al.,2025).

لكن للدراسة أيضا حدودا لا ينبغي تجاهلها.البيئة التجريبية كانت مبسطة جدا مقارنة بالمجتمعات البشرية الحقيقية.التفاعل جرى داخل لعبة تنسيق محددة، لا داخل حياة اجتماعية غنية بالصراع والمصالح والذاكرة الطويلة والمؤسسات والسلطة.كما أن الاتفاق على تسمية أو رمز داخل تجربة محدودة لا يعني تلقائيا أن النماذج تطور ثقافة كاملة أو فهما اجتماعيا عميقا.ثم إن النتائج، كما توضح الملخصات العلمية، تختلف بحسب النموذج؛ وهذا يجعل التعميم أكثر حذرا.لذلك، فالقراءة الرصينة للدراسة لا تقول إننا وصلنا إلى مجتمعات اصطناعية مكتملة، بل تقول إننا أمام دليل تجريبي أولي قوي على أن سلوك الجماعة في النماذج اللغوية يستحق أن يدرس بوصفه ظاهرة مستقلة (Centola et al.,2025).

لهذا، إذا أردنا ورقة تحليلية عن مضمون الدراسة فقط، فخلاصتها يمكن أن تكون كالتالي:الدراسة التي أبرزتها Nature لا تزعم أن الذكاء الاصطناعي صار مجتمعا بشريا موازيا، لكنها تقدم برهانا تجريبيا مهما على أن مجموعات من النماذج اللغوية تستطيع، عبر التفاعل المحلي المتكرر ومن دون تنسيق مركزي، أن تولد أعرافا مشتركة وأنماطا من الانحياز الجمعي، بل وتُظهر ديناميات قريبة من الكتلة الحرجة.وهذا يجعل الدراسة مهمة ليس لأنها تقدم حكما نهائيا، بل لأنها تفتح بابا بحثيا جديدا:إذا كانت النماذج حين تتجمع تنتج سلوكا جديدا لا يظهر وهي منفردة، فنحن لا نحتاج فقط إلى علم نفس للنموذج، بل إلى علم اجتماع للذكاء الاصطناعي.هذا، في جوهره، هو مضمون الدراسة الحقيقي، وهو السبب الذي جعلها تثير كل هذا الاهتمام (Nature,2025;Centola et al.,2025).

المراجع: 

Centola,D.,Becker,J.,Brackbill,D.,&Baronchelli,A.(2025).Emergent social conventions and collective dynamics in large language model populations.Science Advances,11.

Nature.(2025).AI systems begin to show signs of social behaviour.Nature.