كيف اختصر الذكاء الاصطناعي 10 سنوات من اكتشاف دواء واحد؟

الذكاء الاصطناعي لم يخترع الدواء، لكنه جعل البداية أذكى وأسرع.

كيف اختصر الذكاء الاصطناعي 10 سنوات من اكتشاف دواء واحد؟

لطالما عُدّ اكتشاف الدواء أحد أكثر المسارات العلمية بطئًا وكلفة في التاريخ الحديث.فإيصال علاج واحد فقط من مرحلة الاكتشاف المبكر إلى الموافقة التنظيمية النهائية كان يتطلب، في المتوسط، ما بين عشر وخمس عشرة سنة من العمل المتواصل، بكلفة تراوح غالبًا بين مليار وملياري دولار، مع حقيقة صادمة مفادها أن أقل من 10%من المرشحات الدوائية التي تدخل التجارب السريرية تنجح في الوصول إلى السوق(Dermawan&Alotaiq,2025).هذه الأرقام لم تكن مجرد مؤشرات صناعية، بل شكّلت على مدى عقود الأساس الثقافي الذي بُنيت عليه صناعة الدواء:زمن طويل بوصفه شرطًا للعلم، وتراكم بطيء بوصفه ضمانًا للسلامة.غير أن هذا التصور بدأ يتزعزع جذريًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب عملية الاكتشاف الدوائي، ليس كأداة مساعدة، بل كنمط تفكير يعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والزمن.

في النموذج التقليدي، يبدأ اكتشاف الدواء بتحديد هدف بيولوجي محتمل، مثل بروتين أو مستقبل خلوي مرتبط بمرض معين.بعدها تُجرى عمليات غربلة مخبرية عالية الإنتاجية لاختبار مئات الآلاف، وأحيانًا ملايين، المركبات الكيميائية بحثًا عن عدد محدود من المرشحين الواعدين.هذه المرحلة وحدها قد تستغرق ثلاث إلى خمس سنوات، قبل الانتقال إلى الدراسات ما قبل السريرية التي تمتد عادة من سنة إلى ثلاث سنوات إضافية، حيث يُعاد تصميم المركب مرات عديدة بسبب مشكلات السمية أو ضعف الفعالية.ثم تأتي التجارب السريرية البشرية، الممتدة عبر ثلاث مراحل، وقد تستغرق خمس إلى سبع سنوات أخرى.هذا المسار المتسلسل جعل اكتشاف الدواء أشبه بسباق ماراثوني طويل، تُستنزف فيه الموارد تدريجيًا، وغالبًا ما ينتهي بالفشل في مراحل متأخرة ومكلفة.

الذكاء الاصطناعي أدخل منطقًا مختلفًا تمامًا:بدل اختبار كل الاحتمالات في المختبر، بات بالإمكان استخدام الخوارزميات لتقليص فضاء البحث منذ البداية.نماذج التعلم الآلي قادرة على تحليل قواعد بيانات جينومية وكيميائية وسريرية ضخمة، تضم ملايين السجلات، لاستخلاص أنماط خفية تربط بين الجينات والأمراض والمركبات الدوائية.أحد الأمثلة هو ما حدث خلال جائحة كورونا، حين استطاعت منصة ذكاء اصطناعي اقتراح إعادة توظيف دواء موجود بالفعل كعلاج محتمل خلال نحو 72 ساعة فقط من تحليل البيانات، وهو إنجاز يعكس فجوة زمنية هائلة مقارنة بالأشهر التي كان يتطلبها البحث البشري التقليدي(Zoccoli et al.,2025).هنا لم يكن التسريع مجرد تقليص للوقت، بل تغييرًا في طبيعة الفهم العلمي نفسه، حيث لم يعد الفهم قائمًا على قراءة الدراسات واحدة تلو الأخرى، بل على الربط الآلي بين جميعها دفعة واحدة.

التحول الأكثر عمقًا جاء من مجال ظل لعقود عنق زجاجة في تطوير الأدوية:التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات.تصميم أي دواء فعّال يعتمد على معرفة دقيقة لشكل البروتين الهدف، وهي مهمة كانت تاريخيًا تستغرق سنوات من العمل التجريبي باستخدام تقنيات مكلفة ومعقدة.هذا التحدي شهد تحولًا جذريًا مع ظهور نظامAlphaFoldالذي طوّرته شركةDeepMind، والذي استطاع التنبؤ ببنى البروتينات بدقة تقارب الطرق المخبرية، وحل مشكلة استعصت على العلماء لأكثر من خمسين عامًا(Kavout,2024).الأثر العملي لهذا الإنجاز كان غير مسبوق:نشر قاعدة بيانات تضم أكثر من 200 مليون بنية بروتينية متاحة مجانًا للباحثين حول العالم.فجأة، لم يعد فهم شكل البروتين مرحلة بطيئة في منتصف الطريق، بل نقطة انطلاق فورية تقريبًا، ما سمح بتسريع مشاريع اكتشاف دوائية كاملة من سنوات إلى أشهر.

هذا التسريع البنيوي مهّد الطريق لتحول أكثر جذرية:الانتقال من“اكتشاف”المركبات الدوائية إلى“تصميمها”.باستخدام النماذج التوليدية، باتت الخوارزميات قادرة على ابتكار جزيئات جديدة بالكامل، تستوفي شروطًا دقيقة تتعلق بالفعالية والسمية والخواص الدوائية.المثال الأكثر إثارة الذي يورده البحث هو ما حققته شركةInsilico Medicine، التي أعلنت عام 2019 عن تصميم مركب دوائي تجريبي خلال 46 يومًا فقط من بدء المشروع، ثم إيصال أول دواء مكتشف عبر منصتها إلى مرحلة الترشيح السريري خلال نحو 18 شهرًا، مقارنة بمتوسط تقليدي يتراوح بين أربع وست سنوات(Insilico Medicine,2025).الأكثر لفتًا للنظر أن الكلفة المعلنة للوصول إلى مرشح جاهز للدراسات ما قبل السريرية بلغت نحو 150 ألف دولار فقط، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بعشرات الملايين التي تُنفق عادة في هذه المرحلة.

هذه القفزات لم تكن حالة معزولة.فقد تمكنت شركةExscientia، بالتعاون مع شركة أدوية يابانية، من تصميم دواء لعلاج اضطراب الوسواس القهري، وإيصاله إلى التجارب السريرية خلال أقل من 12 شهرًا، في مسار كان يستغرق تقليديًا أربع إلى خمس سنوات(Zoccoli et al.,2025).كما أظهرت شركةRecursion Pharmaceuticalsمثالًا آخر على هذا التحول، حين استطاعت الانتقال من تحديد الهدف إلى دراسات ما قبل سريرية جاهزة للتجارب البشرية خلال أقل من 18 شهرًا، مقارنة بمتوسط صناعي يُقدّر بنحو 42 شهرًا.هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يسرّع الخطوات فحسب، بل يعيد ترتيبها بالكامل.

الأثر الكمي لهذا التحول بات قابلًا للقياس بوضوح.تشير الدراسات الحديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضغط زمن المرحلة ما قبل السريرية بنسبة تتراوح بين 60 و75%، مع ارتفاع ملحوظ في نسب النجاح في المراحل السريرية المبكرة(Dermawan&Alotaiq,2025).ففي حين تراوحت معدلات النجاح التقليدية في المرحلة الأولى بين 40 و65%، أظهرت بيانات شملت 39 شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي ارتفاع هذه النسبة إلى ما بين 80 و90%في المتوسط.هذا التحسن لا يعني فقط أدوية أسرع، بل موارد أقل مهدورة على مشاريع فاشلة كانت ستتوقف في مراحل متأخرة ومكلفة.

من منظور اقتصادي، يترجم هذا التسريع إلى وفورات ضخمة.فكل سنة يتم اختصارها من مسار التطوير تعني مئات الملايين من الدولارات التي لا تُنفق على التجارب الفاشلة أو البنية التحتية الطويلة الأمد.وتشير تقارير صناعية إلى أن عام 2024 وحده شهد استثمارات تجاوزت 3.3 مليار دولار في شركات ومنصات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في اكتشاف الأدوية، ما يعكس ثقة متزايدة بأن هذا النهج يمثل مستقبل الصناعة(Drug Target Review,2025).كما دخلت شركات أدوية كبرى مثلPfizerوNovartisوGSKفي شراكات استراتيجية مع شركات ذكاء اصطناعي، أو أنشأت فرقًا داخلية متخصصة، في اعتراف ضمني بأن النموذج التقليدي لم يعد كافيًا.

لكن الأثر الأعمق لهذا التحول يتجاوز الأرقام والشركات ليصل إلى المريض والمجتمع.تقليص الزمن يعني وصول العلاج أسرع إلى من يحتاجه، خصوصًا في حالات الأمراض النادرة أو المستعصية التي كانت تُهمَل سابقًا بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية.كما أن خفض الكلفة يفتح الباب أمام تطوير علاجات مخصصة، تستند إلى الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مجموعة من المرضى، بدل الاعتماد على نموذج“دواء واحد يناسب الجميع”.هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تسريع صناعية إلى عامل محتمل في إعادة توزيع العدالة العلاجية.

مع ذلك، لا يقدم هذا المشهد صورة وردية خالية من التحديات.الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى التجارب السريرية أو الخبرة البشرية، ولا يعفي المؤسسات من المتطلبات التنظيمية الصارمة.لكنه يعيد تعريف دور الباحث من منفّذ لسلسلة لا تنتهي من التجارب إلى مهندس يطرح الأسئلة الصحيحة ويوجه الخوارزمية نحو الاحتمالات الأعلى.في هذا التلاقي بين المختبر والخوارزمية، يتشكل نموذج جديد للاكتشاف، أقل اعتمادًا على الصدفة وأكثر استنادًا إلى التنبؤ.

في النهاية، ما نشهده اليوم هو تحول في علاقتنا بالزمن العلمي ذاته.إذا كان عقد كامل هو المعيار التقليدي لاكتشاف دواء جديد، فإن الأدلة المتراكمة تشير إلى إمكانية اختصاره إلى بضع سنوات خلال المستقبل القريب.ليس لأن الأمراض أصبحت أبسط، بل لأن أدوات الفهم أصبحت أعمق وأكثر قدرة على التعامل مع التعقيد.بهذا المعنى، لا يمثل الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مسرّعة، بل اكتشافًا ثقافيًا بحد ذاته:اكتشاف أن البطء لم يكن شرطًا للعلم، بل حدًا فرضته أدوات الماضي، وأن الخوارزمية، حين تدخل المختبر، لا تختصر الزمن فقط، بل تعيد كتابة قواعد الاكتشاف من أساسها.

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
من المختبر إلى الخوارزمية- كيف اختصر الذكاء الاصطناعي 10 سنوات من اكتشاف دواء واحد؟.pdf
251.5 KB