الارق في عصر الشاشات لم يعد مجرد "سوء عادات" قبل النوم، بل صار خللا يوميا في طريقة فهم الدماغ لعلامة الليل نفسها. تاريخيا، كان الجسد يلتقط اشارات بسيطة وثابتة: انخفاض الضوء، هدوء الاصوات، انطفاء الحركة الاجتماعية، فيبدأ "النظام الليلي" تلقائيا: تتراجع اليقظة، يعلو هرمون الميلاتونين، وتتباطا الدوائر العصبية التي تستهلك الانتباه. اليوم، لا ياتي الليل بهذه البساطة؛ نحن نحمل "شمسا صغيرة" في الجيب، لا تضيء فقط، بل تنادي، وتفاجئ، وتكافئ، وتطلب استجابة. وهنا تبدأ فكرة الارق الحديثة: تشوش الساعة البيولوجية بين الضوء، المحتوى، والتحفيز المستمر.
الضوء هو بوابة القصة لكنه ليس كل القصة. الشاشات، خصوصا في ساعات المساء، تقدم اطيافا ضوئية (ولا سيما الازرق) تقنع الدماغ ان النهار لم ينته بعد. فيتأخر اعلان "بداية الليل" داخل الجهاز العصبي، ويحدث انزياح في توقيت النعاس. لكن حتى لو خففنا السطوع او استخدمنا "الوضع الليلي"، يبقى عامل اكثر دهاء: الانتباه المستثار. فالدماغ لا يقيس الليل بالضوء وحده، بل يقيسه ايضا بمدى الحاجة للبقاء متيقظا. حين يفتح الشخص مقطعا مثيرا، او يدخل في نقاش، او يتلقى اشعارا مفاجئا، فان الدماغ يفسر ذلك كاشارة خطر او فرصة: "ابق مستعدا".
تعمل الاشعارات والمحتوى السريع وفق منطق المكافاة الفورية: جرعات صغيرة من الدوبامين تأتي على فترات غير متوقعة. هذه العشوائية تجعل السلوك اكثر التصاقا، لان الدماغ يتعلم ان المكافاة قد تأتي "بالتمرير التالي". بذلك يتحول الهاتف من اداة الى نظام مكافاة متنقل يرفع الاستثارة الفسيولوجية: نبض اعلى، توتر لطيف ظاهريا لكنه يقظة حقيقية، وتفعيل مستمر لشبكات الانتباه. المشكلة ان النوم يحتاج العكس تماما: انتقالا تدريجيا من التركيز الى الشرود الهادئ، ومن التحكم الى الاستسلام. لا يمكن للدماغ ان يطلب "النعاس" بينما هو في وضع الصيد الرقمي.
ويزداد التشوش حين يمتد العمل الذهني الى اخر الليل: كتابة، تخطيط، ردود، دراسة، او حتى ترتيب افكار الغد. هنا لا يكون العائق ضوء الشاشة فقط، بل بقاء القشرة الجبهية في حالة تشغيل: حل مشكلات، اتخاذ قرارات، تقييم، ومقارنة. هذا النوع من النشاط يخلق "بقايا معرفية" تبقى عالقة بعد اغلاق الجهاز: افكار متسارعة، مراجعات، واحتمالات. فيصبح السرير امتدادا للمكتب، وتفقد غرفة النوم وظيفتها كاشارة ثابتة للراحة.
الخلاصة ان الارق في عصر الشاشات هو صراع بين بيولوجيا صممت لتلتقط نهايات واضحة لليوم، وبيئة رقمية تلغي النهايات. الليل لم يعد ظلاما، بل صار "تحديثا" مستمرا. حين لا يعرف الدماغ ان الليل قد حل، فهو لا يعاندك، بل يصدق الاشارات التي تقدمها له: ضوء، محتوى، وتحفيز. علاج المشكلة يبدأ بفهمها: ليس المطلوب فقط تقليل الضوء، بل تهدئة الانتباه، واعادة بناء طقوس تشير للدماغ بوضوح ان زمن المطاردة انتهى، وان زمن النوم قد بدأ.

التعليقات