في مساء 31 يناير 2020، ومع دقات الساعة الحادية عشرة بتوقيت لندن، خرجت بريطانيا رسميًا من الاتحاد الاوروبي، منهيةً 47 عامًا من العضوية في اكبر مشروع وحدوي غربي في العصر الحديث.لم يكن الحدث مجرد خطوة قانونية او سياسية، بل لحظة فاصلة كشفت عن تحولات عميقة في المزاج الغربي، وفي علاقة المجتمعات بالدولة القومية، والعولمة، والمؤسسات فوق الوطنية.
لم ياتِ هذا الخروج فجأة.فقد بدأ المسار فعليًا في استفتاء يونيو 2016، حين صوت 52%من البريطانيين لصالح المغادرة.لكن السنوات الاربع التي تلت الاستفتاء كانت اختبارًا قاسيًا لقدرة الديمقراطيات الغربية على ترجمة"ارادة شعبية"معقدة الى سياسات واقعية.تعاقبت حكومات، سقط رؤساء وزراء، تعطّل البرلمان، وانقسم المجتمع البريطاني على ذاته:بين من رأى في الخروج استعادة للسيادة، ومن اعتبره مقامرة بمستقبل اقتصادي وسياسي مستقر.
يكتسب خروج بريطانيا اهميته من كونه اول انسحاب لدولة كبرى من مشروع وحدوي لم يُبنَ فقط على مصالح اقتصادية، بل على فكرة تاريخية عميقة:تجاوز القومية الصلبة التي قادت اوروبا الى حربين عالميتين.الاتحاد الاوروبي كان، منذ نشاته، ردًا على الخراب، وتجسيدًا لفكرة ان الترابط الاقتصادي والسياسي هو الضامن للسلام.لذلك، لم يكن خروج بريطانيا حدثًا بريطانيًا صرفًا، بل هزة في سردية"اوروبا المتماسكة".
اقتصاديًا، روّج انصار الخروج لفكرة"استعادة التحكم":في الحدود، في التجارة، وفي التشريعات.لكن السنوات اللاحقة كشفت ان السيادة في عالم مترابط ليست مطلقة.فبريطانيا وجدت نفسها تفاوض من موقع اضعف مع تكتلات اكبر، وتواجه تعقيدات في سلاسل التوريد، ونقصًا في الايدي العاملة، وتحديات في قطاع الخدمات المالية الذي كان احد اعمدة قوتها داخل الاتحاد.لم ينهِ الخروج الاعتماد المتبادل، بل اعاد تشكيله بشروط اكثر كلفة.
سياسيًا، مثّل بريكست لحظة مفصلية في مسار الديمقراطية التمثيلية الغربية، اذ كشف التوتر العميق بين منطق الاستفتاء الشعبي ومنطق الحكم المعقّد.فالشعار الذي تصدّر الحملة،"استعيدوا بلدكم"، اختزل شبكة معقدة من السياسات والاتفاقيات الدولية في وعد سيادي بسيط، سهل التسويق وصعب التنفيذ.ومع انتقال بريكست من صناديق الاقتراع الى طاولة التفاوض، اتضح ان القرار الشعبي لم يكن خريطة طريق، بل نقطة بداية لسلسلة ازمات دستورية غير مسبوقة في بريطانيا الحديثة.
كما اعاد بريكست تعريف العلاقة بين الشعب والنخبة السياسية.فجزء كبير من التصويت للخروج كان تعبيرًا عن احتجاج اجتماعي ضد ما اعتُبر انفصالًا بين النخب الاقتصادية والسياسية في لندن، وبين مناطق صناعية متضررة شعرت ان العولمة والاندماج الاوروبي لم يحققا لها وعود الازدهار.بهذا المعنى، كان بريكست تصويتًا ضد نمط حكم، لا مجرد موقف من الاتحاد الاوروبي.
المفارقة ان الخروج الذي رُوّج له بوصفه استعادة للوحدة الوطنية، فتح الباب امام تشققات داخلية حادة.فقد عادت اسكتلندا لطرح فكرة الاستقلال بقوة، بينما اعادت ايرلندا الشمالية فتح اسئلة الحدود والهوية والسيادة.وهكذا، تحوّل قرار"استعادة السيطرة"الى عامل اعادة تفاوض داخلي حول شكل الدولة البريطانية نفسها.
اما على المستوى الاوروبي، فقد شكّل بريكست صدمة ايقاظ.صحيح انه لم يطلق سلسلة انسحابات كما خشي البعض، لكنه دفع الاتحاد الاوروبي الى اعادة التفكير في علاقته بمواطنيه، وفي فجوة الثقة بين النخب والمؤسسات من جهة، والناخبين من جهة اخرى.لقد كشف الحدث ان المشروع الوحدوي، مهما بدا متينًا، يظل هشًا اذا لم يرافقه شعور بالعدالة والتمثيل والقدرة على الاستجابة لمخاوف الناس اليومية.
اضافة الى ذلك، اعاد بريكست طرح سؤال جوهري حول مستقبل المشاريع فوق الوطنية في عالم يشهد تصاعد القلق والهويات القلقة.فقد بيّن ان الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على الكفاءة الاقتصادية، بل على السردية الجامعة، والقدرة على اقناع المواطنين بأن التكامل لا يعني الذوبان، بل الحماية في عالم مضطرب.
دوليًا، راقب العالم بريكست بوصفه سابقة.فبالنسبة لقوى صاعدة وحركات شعبوية في دول اخرى، بدا الخروج دليلًا على امكانية تحدي المنظومات الكبرى من الداخل.لكنه، في الوقت نفسه، قدّم درسًا تحذيريًا حول كلفة التفكيك مقارنة بكلفة الاصلاح، وهو درس استوعبته لاحقًا العديد من القوى السياسية الاوروبية.
بعد خمس سنوات، يبدو بريكست اقل"تحررًا"مما وُعد به، واقل"كارثية"مما حذّر منه معارضوه.لكنه، في جوهره، كان علامة على نهاية مرحلة وبداية اخرى:مرحلة يتراجع فيها اليقين الليبرالي، وتعود فيها الدولة القومية بقوة، ليس بوصفها حلًا جاهزًا، بل كملاذ نفسي في زمن القلق العالمي.في هذا المعنى، لم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي مجرد فلاش باك سياسي، بل مرآة لعالم ما بعد العولمة كما عرفناه.

التعليقات