عندما يُطرح السؤال حول أضرار السكر، غالبًا ما يُختزل النقاش في مستوى فردي:الإفراط في الحلويات، ضعف الإرادة، أو قلة الوعي الصحي.غير أن هذا الطرح يغفل البعد البنيوي الأعمق للمسألة.فصعوبة التخلص من السكر لا تعود فقط إلى الرغبة الشخصية أو الاعتياد البيولوجي، بل ترتبط ببنية اقتصادية–ثقافية متكاملة جعلت السكر عنصرًا مركزيًا في الصناعة الغذائية الحديثة ونمط الحياة الاستهلاكي السريع.
أولًا، تلعب صناعة الأغذية المعالجة دورًا محوريًا في ترسيخ الاعتماد على السكر.فالشركات الكبرى لا تستخدم السكر فقط لإضفاء الطعم الحلو، بل باعتباره مُحسّنًا للنكهة، وموازنًا للحموضة، ومادة حافظة، ومحفزًا للإقبال على المنتج.السكر يزيد من"قابلية الاستهلاك المتكرر"، أي أنه يعزز الرغبة في إعادة الشراء.هذا ما يجعل إضافته استراتيجية تسويقية بقدر ما هي مكون غذائي.وفي سياق المنافسة الشرسة بين العلامات التجارية، يصبح الطعم الأكثر إرضاءً–وغالبًا الأكثر حلاوة–ميزة سوقية حاسمة.وهكذا يتحول السكر إلى أداة لتعظيم الأرباح، لا مجرد عنصر غذائي.
ثانيًا، يظهر البعد البنيوي بوضوح في التسويق الموجّه للأطفال.فالأطفال يمثلون سوقًا استهلاكية طويلة الأمد، وتشكيل ذائقتهم في سن مبكرة يضمن ولاءً مستقبليًا للعلامة التجارية.تعتمد الإعلانات الموجهة للأطفال على الألوان الزاهية، الشخصيات الكرتونية، والهدايا الترويجية، وكلها ترتبط غالبًا بمنتجات مرتفعة المحتوى السكري.وبهذا لا يُباع المنتج فقط، بل يُعاد تشكيل الذائقة الغذائية نفسها.يتعلم الطفل منذ الصغر أن"المكافأة"مرتبطة بالحلاوة، وأن المتعة مرتبطة بمنتج صناعي محدد.وهنا يصبح السكر جزءًا من التكوين النفسي–الثقافي للفرد، لا مجرد اختيار غذائي عابر.
ثالثًا، تكمن إحدى أعقد الإشكاليات في مفهوم"السكر المخفي".فالكثير من المستهلكين يظنون أنهم يتجنبون السكر طالما لا يتناولون الحلويات أو المشروبات الغازية، بينما يتواجد السكر بكميات ملحوظة في منتجات يومية لا تُصنَّف على أنها حلوة بالضرورة، مثل الصلصات، الخبز المصنع، الزبادي المنكه، وحتى بعض الأطعمة"الصحية".هذا الانتشار الواسع يعقّد عملية الامتناع، لأن المستهلك لا يواجه السكر في شكل واضح يمكن استبعاده، بل في شبكة منتجات مترابطة.كما أن تعدد أسمائه على الملصقات الغذائية–مثل شراب الذرة عالي الفركتوز، المالتوز، الدكستروز–يجعل التعرف عليه أكثر صعوبة، ما يعكس فجوة معلوماتية تصب في صالح الصناعة.
رابعًا، ترتبط مسألة السكر بثقافة الاستهلاك السريع التي يفرضها الاقتصاد الحديث.فالإيقاع المتسارع للحياة، وضغوط العمل، وندرة الوقت، كلها تدفع نحو الأطعمة الجاهزة والسريعة، وهي غالبًا غنية بالسكريات والدهون لتحسين الطعم وسهولة الحفظ.في هذا السياق، لا يُختار السكر دائمًا بدافع اللذة فقط، بل بدافع الراحة والعملية.وهكذا يتكامل البعد الاقتصادي(إنتاج منخفض التكلفة، عمر تخزين أطول)مع البعد الثقافي(سرعة، سهولة، إشباع فوري)في إعادة إنتاج استهلاك مرتفع للسكر.
الأمر لا يقف عند حدود السوق؛ بل يمتد إلى السياسات العامة.ففي بعض الدول، يشكل قطاع السكر والصناعات الغذائية المرتبطة به قوة ضغط اقتصادي وسياسي مؤثرة.هذا النفوذ قد يبطئ تبني سياسات تقييدية مثل فرض ضرائب على المشروبات المحلاة أو تشديد قواعد الإعلان الموجه للأطفال.وبذلك يتحول السكر من مسألة صحية إلى ملف سياسي–اقتصادي تتقاطع فيه مصالح الشركات مع قرارات الصحة العامة.
من هنا، يصبح الامتناع عن السكر تحديًا يتجاوز الإرادة الفردية.فالمستهلك لا يواجه مجرد رغبة بيولوجية، بل منظومة إنتاج وتسويق واستهلاك متكاملة.وعندما يُطلب من الفرد"تقليل السكر"، فإنه في الواقع يُطلب منه مقاومة ثقافة غذائية كاملة، وسلسلة إمداد، ورسائل تسويقية مستمرة، وبنية سوقية صممت لجعل السكر متاحًا، رخيصًا، ومغريًا.
الخلاصة أن صعوبة التخلص من السكر ليست دليل ضعف فردي، بل انعكاس لبنية اقتصادية وثقافية رسّخت حضوره في الحياة اليومية.ما لم تُفهم المسألة في إطارها البنيوي–عبر سياسات تنظيمية، شفافية في الملصقات، وإعادة تعريف للعلاقة بين الصناعة والصحة–سيظل السكر جزءًا"طبيعيًا"من النظام الغذائي الحديث، حتى وإن كان ثمنه الصحي يتراكم بصمت.

التعليقات