كتاب "الاب الغني والاب الفقير" لروبرت كيوساكي ليس كتابا عن الثراء بالمعنى الاستعراضي، بل هو محاولة لتفكيك الفكرة التي تربينا عليها:ان المال نتيجة مباشرة للشهادة والوظيفة والالتزام بالقواعد.يقدمه كيوساكي كحكاية تربوية تقوم على شخصيتين:"اب فقير"يمثل العقلية التقليدية(الامان الوظيفي، الرواتب، الشهادات)، و"اب غني"يمثل عقلية بناء الاصول(امتلاك مشاريع واستثمارات وانظمة تولد دخلا).هو لا يدعي ان احدهما كان قديسا والاخر شيطانا، بل يضعهما كعدستين:كيف نرى المال؟ وكيف نرى العمل؟ وكيف نرى المستقبل؟
الفكرة المركزية التي يكررها الكتاب هي ان الثراء ليس مقدار الدخل، بل مقدار ما تبقيه وما تبنيه.قد يكون شخص راتبه كبيرا لكنه يعيش مهددا لان كل شيء قائم على راتب يتوقف اذا توقف العمل.وقد يكون اخر دخله اقل، لكنه يمتلك اصولا تولد دخلا مستمرا:عقار مؤجر، مشروع صغير، اسهم او حقوق ملكية، او اي اصل ينتج تدفقا ماليا.هذه النقطة تقلب تعريف النجاح من"كم تكسب"الى"ما الذي تملكه ويعمل بدلا منك".وهنا تظهر جملة الكتاب الابرز كمعنى:اجعل المال يعمل لك، بدل ان تعمل انت للمال.
يعتمد كيوساكي على تمييز بسيط لكنه شديد الاثر:الاصل(Asset)والالتزام المالي(Liability).الاصل عنده هو ما يضع المال في جيبك، والالتزام هو ما يخرج المال من جيبك.بهذه العدسة، يعيد تقييم اشياء يراها كثيرون علامات نجاح:سيارة فارهة او بيت كبير قد يكونان التزاما اذا كانا يلتهمان الدخل دون ان ينتجا دخلا مقابلا.ليس الهدف محاربة البيت او السيارة، بل فهم"توقيت الشراء":هل تشتريها بعد بناء اصول تمولها، ام تشتريها اولا فتتحول حياتك كلها الى مطاردة اقساط؟ هنا يصبح السؤال الاخلاقي-العملي:هل تختار مظهرا خارجيا للنجاح، ام تختار بنية مالية حقيقية للحرية؟
من هذه النقطة، يهاجم الكتاب ثقافة"الامان"بمعناها الشائع.الاب الفقير في سردية كيوساكي يقول:"اذهب الى المدرسة، احصل على علامات جيدة، ثم وظيفة محترمة، وستكون بخير."بينما الاب الغني يرد بسؤال مختلف:"وماذا لو لم تعد الوظيفة كافية؟ ماذا لو تغير العالم؟ ماذا لو صار راتبك سقفا لا سلما؟"الكتاب كأنه تنبيه مبكر لطبيعة عصرنا:اقتصاد متحول، وظائف تتبدل، وتكنولوجيا تجعل الثبات اقل.لذا يصر كيوساكي على ان التعليم المالي اهم من الشهادة وحدها:ان تفهم القوائم المالية، التدفقات النقدية، الاستثمار، المخاطر، والضرائب.
واحدة من اكثر افكار الكتاب اثارة للجدل هي موقفه من المدرسة.هو لا يهاجم التعليم كقيمة، لكنه يقول ان المدرسة تعلمك كيف تكون موظفا جيدا لا"صانعا للاصول".تعلمك النجاح وفق نظام درجات، لكن نادرا ما تعلمك كيف تقرأ ميزانية، او كيف تميز بين اصل والتزام، او كيف تبني مشروعًا صغيرا، او كيف تتعامل مع الضرائب.في نظره، هذا الفراغ يجعل كثيرا من الناس يدخلون الحياة بنجاح اكاديمي لكن بعجز مالي:رواتب تذهب لتغطية قروض ومصاريف، دون تراكم اصول.
ثم ينتقل الكتاب الى فكرة اخرى:الخوف والرغبة هما المحركان الخفيان لسلوكنا المالي.الخوف يدفعك لقبول وظيفة لا تحبها فقط لانها"امان".والرغبة تدفعك لرفع نمط حياتك كلما زاد راتبك:شراء اكثر، اقساط اكثر، ثم عودة للخوف مجددا.هذه الدائرة يسميها كثيرون اليوم"سباق الجرذان"(Rat Race):تعمل لتدفع، وتدفع لتعيش، وتعيش لتعود للعمل.كيوساكي لا يقدمها كنظرية سوداوية، بل كدعوة لقطع الدائرة عبر بناء اصول تقلل اعتمادك على الراتب.
لكن كيف نبني الاصول؟ هنا يتحدث عن عقلية المخاطرة الذكية.هو لا يشجع المقامرة، بل يشجع التعلم الذي يقلل المخاطرة:اقرأ، تعلّم، جرّب بمبالغ صغيرة، افهم السوق، واصنع شبكة علاقات.ويكرر ان اغلب الناس لا يخسرون المال لانهم اغبياء، بل لانهم يخافون من التعلم عبر التجربة، او لانهم يفضلون الراحة على المعرفة.لذلك يدعو الى جعل الفشل"جزءا من المنهج":مشروع صغير قد يفشل لكنه يعلمك اكثر مما تعلمك سنوات من الخوف.
الكتاب يقدم ايضا رؤية حول الضرائب والشركات:كيف يمكن للاعمال ان تستخدم الانظمة القانونية لتقليل العبء الضريبي عبر الهياكل والشركات، بينما الموظف يدفع الضرائب غالبا قبل ان يمسك راتبه.هذه النقطة يطرحها ليوضح لماذا يفكر"الاغنياء"بشكل مختلف:هم يبنون انظمة تحمي المال وتعيد تدويره، لا مجرد دخل يمر من اليد الى الفواتير.الفكرة ليست تشجيع التحايل، بل فهم قواعد اللعبة:ان المال لا يتحرك في فراغ، بل داخل قوانين.
على المستوى النفسي، اهم ما يقدمه الكتاب هو دعوته لامتلاك عقلية صانع القرار لا عقلية المنتظر.كثيرون يقولون:"لا استطيع، ليس لدي وقت، لا املك المال."كيوساكي يقترح قلب الاسئلة:بدل"لا استطيع شراء هذا"اسال"كيف يمكنني ان اشتريه؟"ليس لانك ستشتري كل شيء، بل لان السؤال يفتح التفكير:مشروع جانبي؟ اصل بسيط؟ مهارة قابلة للبيع؟ استثمار صغير؟ هذا التحول من جملة تغلق الباب الى سؤال يفتح نافذة هو جوهر"التعليم المالي"الذي يريده.
ومع كل هذا، من المهم قراءة الكتاب بعين نقدية:هو يقدم افكارا قوية وبسيطة، لكنه لا يعطي خريطة واحدة تناسب الجميع.السوق يختلف من بلد لبلد، وقواعد الاستثمار ليست متطابقة.كما ان بعض الامثلة في الكتاب تبدو مبسطة او قصصية اكثر من كونها توجيها تفصيليا.لكن قيمة الكتاب ليست في كونه"دليل استثمار"خطوة بخطوة، بل في انه ينقل مركز الثقل من الخارج الى الداخل:من انتظار راتب اكبر الى بناء اصول، من مطاردة مظهر النجاح الى بناء حرية مالية، ومن التفكير القصير الى التفكير البنيوي.
في النهاية،"الاب الغني والاب الفقير"يشبه صفارة انذار هادئة:قد تعيش حياة محترمة وانت موظف ناجح، لكن اذا لم تفهم المال ستبقى تحت رحمته.وقد لا تكون غنيا اليوم، لكن اذا تعلمت كيف تبني اصولا صغيرة وتكرر ذلك بذكاء، ستتحول علاقتك بالعمل والوقت.الرسالة العميقة للكتاب ليست"كن ثريا بسرعة"، بل"كن واعيا ماليا حتى لا تعيش اسيرا."هو يضعك امام سؤال بسيط لكنه مرعب:هل حياتك تُبنى حول راتب، ام حول اصول؟ ومن جوابك يبدأ كل شيء.

التعليقات