السؤال عما إذا كان السكر "مادة إدمانية" يبدو بسيطًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة يقع في منطقة رمادية معقدة بين علم الأعصاب، والسلوك الإنساني، وصناعة الغذاء الحديثة. علميًا، نعرف أن تناول الأغذية عالية السكر ينشط دوائر المكافأة في الدماغ، وهي الدوائر العصبية نفسها التي تنظم الدافع، والتعلم القائم على التعزيز، والشعور بالمتعة. عند استهلاك السكر ترتفع إشارات الدوبامين في نظام المكافأة، ما يجعل التجربة "مجزية" بيولوجيًا ويعزز تكرار السلوك عبر آليات التعلم العصبي. الدماغ يتعلم أن هذا الطعام يساوي مكافأة سريعة، فيزيد التوقع والرغبة والاندفاع نحو تكراره، خاصة عندما يكون متاحًا بسهولة. لهذا السبب يصف باحثون أثر السكر بأنه "تعزيز إيجابي" يرفع قابلية التعلق بالسلوك الغذائي، خصوصًا عندما يقترن السكر بمنتجات فائقة المعالجة سهلة الأكل وسريعة الامتصاص (Rogers et al., 2024).
لكن هل يكفي وجود مكافأة دوبامينية لكي نُصنّف السكر كـ"إدمان" بالمعنى الطبي السريري؟ هنا يبدأ الخلاف العلمي. كثير من المختصين يميزون بين "الخصائص الشبيهة بالإدمان" وبين "اضطراب تعاطي مادة" كما يُعرّف في الأدلة التشخيصية الرسمية. في نقاش علمي نشرته Harvard Gazette، خلص الخبراء إلى أن السكر قد يحمل بعض السمات التي تشبه الإدمان، مثل الرغبة الملحّة وصعوبة التحكم لدى بعض الأفراد، لكنه ليس مصنفًا رسميًا كمادة إدمانية مثل الكحول أو النيكوتين. كما أشار التحليل إلى أن المشكلة غالبًا لا تتعلق بالسكر وحده، بل "بالأغذية فائقة المعالجة" التي تجمع السكر مع الدهون والملح والقوام المُحفّز والتسويق المكثف، ما يزيد قابلية الاستهلاك القهري ويُعقّد الفصل بين المادة والسياق (Harvard Gazette, 2025).
من زاوية سلوكية، يظهر التشابه مع أنماط الإدمان في ثلاث نقاط مركزية: أولًا "التعزيز المتكرر" (كل مرة سكر = مكافأة)، ثانيًا "التدرج" أو ما يشبه التحمل (الحاجة إلى كميات أكبر أو تكرار أكثر للحصول على الرضا نفسه عند بعض الأشخاص)، وثالثًا "فقدان السيطرة" (تناول الطعام رغم عدم الجوع أو رغم نية التوقف). مراجعة علمية حول "حالة العلم" في موضوع إدمان السكر بينت أن الأدلة الأقوى غالبًا تأتي من تجارب حيوانية أو من نماذج "السكر المتقطع" التي أظهرت سلوكًا يشبه الانسحاب وزيادة الدافع للحصول على السكر، بينما تبقى ترجمة ذلك إلى البشر أكثر تعقيدًا بسبب اختلاف البيئة الغذائية والعوامل النفسية والاجتماعية المحيطة (Westwater et al., 2016). وهذا يوضح أن النقاش لا يدور حول وجود تأثير عصبي من عدمه، بل حول درجة التشابه مع الإدمان الإكلينيكي الكامل.
أما تأثير السكر على تقلب المزاج والطاقة فيرتبط غالبًا بآلية فسيولوجية واضحة لكنها ذات أثر تراكمي. الأغذية المضافة بالسكر، خصوصًا عندما تكون فقيرة بالألياف والبروتين، قد ترفع الغلوكوز في الدم بسرعة، يتبعها إفراز إنسولين مرتفع نسبيًا، ما قد يخلق "تذبذبًا" في مستويات الطاقة والانتباه. يشعر الفرد بنشاط لحظي ثم تعب أو عصبية أو رغبة في دفعة جديدة من السكر. هذا النمط لا يحدث بالضرورة لدى الجميع، لكنه يفسر خبرة "الارتفاع ثم الانخفاض" التي يصفها كثيرون. ومن منظور الصحة العامة، توصي منظمة الصحة العالمية بخفض "السكريات الحرة" إلى أقل من 10% من إجمالي الطاقة اليومية، مع تفضيل أقل من 5% لمنافع إضافية، وهو ما يعكس اعترافًا مؤسسيًا بتأثير الإفراط في السكر على الصحة الجسدية وربما النفسية أيضًا (World Health Organization, 2015).
عند الانتقال إلى العلاقة بين السكر والقلق واضطرابات المزاج، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. الأدلة ليست كلها في اتجاه واحد، وتختلف النتائج باختلاف نوع الدراسة ومنهجيتها. مع ذلك، أظهر تحليل تلوي حديث شمل 40 دراسة وأكثر من 1.2 مليون مشارك أن تناول السكر ارتبط بزيادة خطر الاكتئاب إحصائيًا، بينما كانت العلاقة مع القلق أضعف أو غير حاسمة في النتيجة الإجمالية (Zhang et al., 2024). من المهم هنا التأكيد أن الارتباط لا يعني السببية المباشرة، لكنه يشير إلى أن السكر قد يكون جزءًا من نمط غذائي–حياتي أوسع يرتبط باضطرابات المزاج.
ولعل من أبرز التحولات في النقاش العلمي المعاصر هو التركيز على "الأغذية فائقة المعالجة" كبيئة غذائية كاملة تزيد من قابلية الاستهلاك القهري وتؤثر على الصحة الجسدية والنفسية معًا. مراجعة شاملة نشرت في BMJ عام 2024 وجدت ارتباطًا بين التعرض الأعلى للأغذية فائقة المعالجة ومخاطر صحية متعددة، بما فيها اضطرابات نفسية شائعة، وهو ما يضع السكر ضمن شبكة أوسع من العوامل البنيوية (Lane et al., 2024).
الخلاصة أن السكر ينشط مركز المكافأة ويعزز الرغبة عبر الدوبامين، ويمكن أن يخلق نمطًا سلوكيًا يشبه الإدمان لدى بعض الأفراد، لكنه ليس "مادة إدمانية" متفقًا عليها طبيًا كالمخدرات. قوته الحقيقية تظهر عندما يعمل داخل بيئة غذائية حديثة: منتجات فائقة المعالجة، سهولة وصول، وتسويق مستمر. هنا يتضح الترابط بين العقل والجسد بجلاء: ما نأكله لا يؤثر فقط على مستوى الغلوكوز، بل يعيد تشكيل أنماط الرغبة والمزاج والانتباه. وإذا كانت أعراض القلق أو تقلب المزاج أو التشتت ملحوظة، فإن التعامل معها ينبغي أن يكون ضمن إطار شامل يشمل النوم، الحركة، التغذية، والدعم النفسي عند الحاجة، بدل اختزال المسألة في صراع فردي مع "مادة" واحدة.

التعليقات