مقدمة
تخيل مجتمعا يستيقظ كل صباح على نشرة اخبار واحدة، لكن بمعنيين متناقضين تماما:فريق يرى الحكومة"منقذة"تحمي الاستقرار وتمنع الانهيار، وفريق اخر يراها"غير شرعية"مهما فعلت، ويعد قراراتها امتدادا لهيمنة جماعة على اخرى.في هذا المشهد لا يعود الخلاف حول سياسات الضرائب او التعليم او الامن، بل يتحول الى نزاع حول حق الطرف الاخر في الحكم اصلا.هنا يظهر الاستقطاب السياسي بوصفه حالة تتجاوز اختلاف الاراء الطبيعي داخل الديمقراطيات، لانه يعيد رسم الحدود الرمزية للمجتمع:من ينتمي ومن لا ينتمي، من يعد وطنيا ومن يوسم بالخيانة، ومن يستحق ان يسمع ومن يجب ان يقصى.
خطورة الاستقطاب انه لا يغير نتائج الانتخابات فقط، بل يغير"معايير القبول"نفسها، فيتحول التنافس السياسي من سباق برامج الى معركة اعتراف متبادل.تنطلق هذه الورقة من سؤال مركزي:كيف يغير الاستقطاب مصادر الشرعية السياسية؟ ولماذا تنتقل الشرعية من كونها نتاجا لاداء ومؤسسات وقواعد متفق عليها، الى كونها علامة هوية وسلاحا في صراع عدائي؟.
أولا:الاطار المفاهيمي:ما هي الشرعية؟ وما هو الاستقطاب؟
الشرعية السياسية هي درجة قبول الناس بحق السلطة في الحكم، حتى عندما لا يتفقون مع قراراتها او يرفضون بعض سياساتها.المعنى العميق للشرعية ليس حب الحكومة، بل الاعتراف بانها تمثل"اطارا عاما"يمكن تغييره عبر القواعد لا عبر كسرها.لذلك تعد الشرعية شرطا للاستقرار السياسي، لانها تقلل الحاجة الى الاكراه المباشر، وتمنح الدولة قدرة على تنفيذ قراراتها عبر الامتثال الطوعي والثقة النسبية.
تتخذ الشرعية اشكالا متعددة تتداخل فيما بينها.هناك اولا الشرعية القانونية/الاجرائية التي تقوم على الانتخابات، والدستور، وتداول السلطة، وفصل السلطات، اي على فكرة ان الطريق الى الحكم يمر عبر قواعد متفق عليها.وهناك ثانيا الشرعية الادائية التي تنبع من قدرة السلطة على تقديم خدمات، وتحسين الاقتصاد، وتوفير الامن، وتقليل الفساد، اي انجاز ملموس يبرر الثقة.وهناك ثالثا الشرعية القيمية/الرمزية التي تقوم على الهوية والدين والوطنية والسردية التاريخية، اي على المعاني الكبرى التي تمنح الناس شعورا بالانتماء والكرامة والاعتراف.
في المقابل، الاستقطاب السياسي لا يعني مجرد وجود احزاب متعددة او تنوع ايدلوجي، بل يعني انقسام المجتمع الى معسكرين او اكثر بصورة حادة، بحيث يصبح الخصم السياسي خارج دائرة الاخلاق او الوطنية في نظر انصاره.وعندما يتحول الخصم الى"تهديد وجودي"، يصبح قبول قواعد اللعبة صعبا، لان اي خسارة تعد خسارة للذات الجماعية لا لحزب سياسي، وهنا يبدأ التآكل الحقيقي لمعنى الشرعية.
ثانيا:كيف يضرب الاستقطاب الشرعية؟ اربع اليات اساسية
اولى الاليات هي تحويل السياسة الى هوية.في الوضع الطبيعي يصوت المواطن بناء على مصلحة او رؤية او تقييم اداء، حتى لو كان ذلك مشوبا بالعاطفة.اما في الاستقطاب الحاد، فيصبح التصويت تعبيرا عن انتماء:انا مع"جماعتي"لا مع برنامج محدد.ومع الزمن تتصلب الهوية السياسية وتتداخل مع الدين او القومية او الطبقة او المنطقة، فيصير تغيير الموقف السياسي شبيها بتغيير الانتماء الاجتماعي، وهو امر مكلف نفسيا ورمزيا.هنا تتحول الشرعية من كونها اعترافا بمؤسسات مشتركة الى ولاء لمجموعة بعينها:ما تفعله“جماعتي”شرعي، وما يفعله“غيرنا”مشبوه حتى لو التزم بالقانون.ومع هذا التحول تتراجع الشرعية الادائية ايضا، لان الاداء لم يعد معيارا كافيا.قد تحقق الحكومة نموا اقتصاديا، لكن المعسكر المقابل يفسره بوصفه دعاية او“تلاعبا”او ثمرة فساد، لان قناعته الاساس ليست اقتصادية بل هوياتية.وهكذا تصبح الهوية عدسة تسبق الوقائع وتعيد تفسيرها، فتفقد الدولة القدرة على بناء شرعية جامعة عبر الانجاز.
ثاني الاليات هي نزع الشرعية عن الخصم.عندما يستخدم الخطاب السياسي مفردات التخوين والشيطنة، يتحول الفوز الانتخابي للخصم الى نتيجة"غير مقبولة"اخلاقيا حتى لو كانت صحيحة اجرائيا.هنا يختلط الخلاف السياسي بمعايير الطهارة والنجاسة السياسية:من يفوز ليس منافسا بل"خطر".في هذه الحالة تصبح الانتخابات ذاتها موضوعا للصراع لا وسيلة لحسمه، ويغدو التشكيك بالنتائج او بالمؤسسات المنظمة لها امرا متوقعا عند كل جولة.الاخطر من التشكيك انه يولد قناعة لدى جمهور واسع بان القواعد لم تعد محايدة، وانها مجرد اداة بيد الطرف الاخر.عندها تتراجع الشرعية القانونية/الاجرائية، لان جوهرها يقوم على التسليم بنتيجة اللعبة حتى حين لا تعجبك.ومع تكرار نزع الشرعية يتسع المجال لسلوكيات“استثنائية”بحجة ان الهدف هو“انقاذ الوطن”، فيصبح تجاوز القانون مبررا اخلاقيا لدى بعض الفاعلين، وتتحول السياسة الى معركة وجود لا الى منافسة برامج.
ثالث الاليات هي تسييس المؤسسات.في المجتمعات المستقطبة، لا تبقى الخلافات في البرلمان والاحزاب فقط، بل تمتد الى القضاء والاعلام والجامعات واجهزة الرقابة والادارة العامة.كل مؤسسة يفترض ان تعمل كمرجعية مشتركة تصبح في عين جزء من المجتمع تابعة لمعسكر معين.وعندما يفقد القضاء او الاعلام مكانته كحكم محايد، تفقد الدولة ادواتها الرمزية في ادارة الخلاف.ينتج عن ذلك حلقة مفرغة:ضعف الثقة بالمؤسسات يدفع كل معسكر للبحث عن ادوات خاصة به(اعلامه الخاص، خبراؤه الخاصون، روايته الخاصة)، وهذا يعمق الاستقطاب ويزيد الضغط على المؤسسات لتتماهى مع احد المعسكرين.وفي النهاية تصبح المؤسسة ساحة صراع بدلا من كونها ارضية مشتركة.بهذا المعنى، الاستقطاب لا يكتفي باضعاف الشرعية، بل يحولها الى مسالة متنازع عليها داخل كل مؤسسة:من يمثل“الدولة”حقا؟ ومن يمتلك حق تفسير القانون؟ ومن يملك حق تعريف المصلحة العامة؟
رابع الاليات هي اقتصاد الغضب والاعلام الرقمي.المنصات الرقمية لا تعمل كوسيط محايد؛ هي بيئة تكافئ التفاعل، وغالبا ما يكون الغضب اسرع اشكالا للتفاعل انتشارا.حين تتضخم الرسائل المتطرفة، يصبح الاعتدال“باردا”وغير جذاب، ويتراجع الصوت الوسطي الذي يقدم تعقيدا او توازنا.ينتج عن ذلك سوق سياسي قائم على الاستفزاز المستمر، حيث يربح من يرفع حرارة الهوية ويصنع“عدوا”او“فضيحة”يومية.ومع انتشار التضليل ونظريات المؤامرة، يصبح من السهل تقويض الشرعية القانونية عبر التشكيك بالانتخابات، وتقويض الشرعية الادائية عبر تصوير اي انجاز كخدعة، وتقويض الشرعية الرمزية عبر احتكار الوطنية.يتحول المجال العام الى ساحة تعبئة لا نقاش، ويصبح المواطن مستهلكا لهويات جاهزة اكثر من كونه فاعلا يناقش سياسات.في هذه البيئة لا تبنى الشرعية بالتدرج، بل تتآكل بسرعة لان الثقة تصبح سلعة نادرة، ولان كل طرف يتعلم ان كسب الانتباه اهم من كسب الاقناع.
ثالثا:كيف يمكن استعادة الشرعية في زمن الاستقطاب؟ مداخل تحليلية
استعادة الشرعية لا تعني انهاء الخلاف، بل اعادة بناء الحد الادنى من القبول المتبادل بالقواعد.اول مدخل هو تحصين المؤسسات عبر قواعد شفافة واستقلال رقابي فعلي وتقليل تسييس القضاء والادارة العامة.المقصود ليس“تجميد السياسة”، بل منع تحويل المؤسسة الى غنيمة.حين يرى المواطن ان الرقابة تعمل على الجميع، وان العقاب لا ينتقي خصوما دون حلفاء، يعود جزء من الثقة تدريجيا.ث
اني مدخل هو ادارة التعدد بدل قمعه، عبر توسيع مساحات التفاوض والائتلاف، واصلاحات انتخابية تقلل لعبة“الكل او لا شيء”التي تجعل كل انتخابات معركة حياة او موت.حين تصبح السياسة قابلة لتسويات مستقرة، يقل الميل الى نزع الشرعية، لان الخسارة لا تعني الاقصاء الكامل.ثالث مدخل هو سياسات تخفف الاحساس بالاقصاء:عدالة اقتصادية، مكافحة فساد، تقليل فجوات الفرص.فالاستقطاب يتغذى من شعور جماعات بانها مهمشة او مسلوبة الاعتراف، حتى لو لم يكن ذلك دقيقا دائما.
رابع مدخل هو اصلاح المجال الرقمي عبر شفافية المنصات، ومحاربة التضليل، ودعم صحافة الجودة، وتطوير مهارات التربية الاعلامية.الهدف ليس الرقابة الصارمة التي قد تزيد الارتياب، بل جعل البيئة الرقمية اقل مكافاة للتطرف والاكثر تضخيما للثقة.خامس مدخل هو بناء سردية جامعة، لا بمعنى خطاب عاطفي فارغ، بل بمعنى هوية سياسية تتسع للخلاف وتعيد تعريف الوطنية باعتبارها قدرة على التعايش مع الاختلاف، لا باعتبارها احتكارا اخلاقيا لمعسكر واحد.الشرعية هنا تعود لتكون“عقدا”لا“سلاحا”:عقدا يضمن حق الجميع في المنافسة السلمية، ويمنع تحويل الخصم الى عدو دائم.
خاتمة
تكشف ازمة الشرعية السياسية في عصر الاستقطاب ان المشكلة ليست فقط في سياسات فاشلة او حكومات ضعيفة، بل في تحول معنى الشرعية نفسه.حين تصبح الهوية هي المعيار الاول، تتراجع الشرعية الادائية لان الانجازات يعاد تفسيرها، وتتآكل الشرعية القانونية لان القواعد تفقد حيادها في نظر الجمهور، وتصبح الشرعية الرمزية ساحة احتكار وعداء.بذلك يتحول التنافس السياسي من صراع برامج الى معركة اعتراف:من يحق له ان يمثل المجتمع؟ ومن يملك حق تعريف الوطنية والاخلاق؟ والدرس الاهم ان الشرعية لا تنهار فجاة، بل تتآكل تدريجيا عندما يتحول الخصم الى عدو دائم، وحين تصبح المؤسسات ميدان تصفية حسابات، وحين يغذي الاعلام الرقمي اقتصاد الغضب ويكافئ التطرف.تقترح هذه الورقة اتجاها بحثيا يمكن البناء عليه:قياس الاستقطاب عبر مؤشرات الثقة بالمؤسسات، وتتبع العلاقة بين استهلاك الاعلام الرقمي وبين الاستعداد لنزع الشرعية عن الخصوم.فهم هذه العلاقة لا يساعد فقط على تشخيص الازمة، بل على تصميم سياسات تعيد ربط الشرعية بالقواعد والاداء، وتخفف انجرافها نحو الهوية والعداء.

التعليقات