ما قصة البيتزا التي هزت انتخابات امريكا عام 2016؟

قصة البيتزا تثبت ان الشائعة الرقمية قد تصبح حقيقة عند من يصدقها.

ما قصة البيتزا التي هزت انتخابات امريكا عام 2016؟

في إحدى أمسيات ديسمبر 2016، دخل رجلٌ مسلّح ببندقية نصف آلية من نوع AR-15 إلى مطعم بيتزا في واشنطن العاصمة، عازمًا على"التحقيق"في مزاعم شبكة إجرامية سرّية يديرها ساسة بارزون.أطلق الرجل طلقة واحدة على الأقل ولم يرضَ بالاستسلام حتى تأكد بنفسه من عدم وجود أي أطفال محتجزين في المطعم.لقد كانت هذه الحادثة ذروة قصة غريبة انتشرت على الإنترنت خلال حملة الانتخابات الأمريكية عام 2016، قصة أُطلق عليها اسم"بيتزا غيت"والتي زعمت بوجود حلقة اتجار بالأطفال واعتداءات يديرها مقربون من مرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون، وموقعها المزعوم قبو مطعم بيتزا في واشنطن.

أولا:تشكّل رواية"قصة البيتزا"في الفضاء الرقمي

في أواخر أكتوبر 2016 نشر موقع ويكيليكس آلاف رسائل البريد الإلكتروني المخترقة لرئيس حملة هيلاري كلينتون، جون بوديستا.بدأت مجموعة من مستخدمي منتدى 4تشان(4chan)الشهير بالغموض في التنقيب داخل تلك الرسائل بحثًا عن أدلة خفية.بالتزامن، انتشرت على تويتر شائعة أطلقها حساب مجهول تفيد بأن تحقيقات بريد آخر(بريد أنتوني وينر)كشفت شبكة للاستغلال الجنسي مرتبطة بهيلاري كلينتون.حصلت تلك المزاعم على آلاف إعادة التغريد، وكانت الشرارة التي أطلقت سلسلة من التأويلات.

سرعان ما تشكّل محتوى روائي حول مطعم بيتزا في واشنطن العاصمة يُدعى"كوميت بينغ بونغ"(Comet Ping Pong).وجد مستخدمو الإنترنت رسالة بريديّة بين رئيس حملة هيلاري كلينتون، وصاحب المطعم جيمس أليفسنتس يناقشان إقامة حفل لجمع التبرعات.ورغم أن مضمون الرسالة كان اعتياديًا، قرر البعض قراءته بطريقة رمزية:تم الربط فورًا بين المطعم وبين مزاعم شبكة اتجار بالأطفال تديرها شخصيات في الحزب الديمقراطي.اعتمد مروجو القصة على مواد رقمية متعددة المصادر لصياغة سردهم:رسائل البريد الإلكتروني المنشورة التي تضمنت كلمات مثل"بيتزا"و"معكرونة"، صور ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تعود للمطعم ولمالكه وأصدقائه، شعارات ورموز خرائطية مثل شعار مطعم مجاور وتوصيفات لمواقع مزعومة، وحتى إشارات لغوية اعتُبرت شفرات سرية. 

على سبيل المثال، فُسّرت مفردات عادية في رسائل بوديستا–كالإشارة إلى"البيتزا"–بأنها رموز لأمور مريعة تتعلق باستغلال الأطفال.ذهب البعض إلى الادعاء بوجود قبو سري تحت المطعم تُحتجز فيه ضحايا الاتجار بالأطفال، رغم أن المطعم لا يملك قبوًا أساسًا.كذلك تداولوا صورًا لشعارات تحمل أشكالًا لولبية أو قلوب ظهرت في واجهات المحال المجاورة معتبرين أنها رموز شيطانية أو إشارات لاستدراج الأطفال، بما في ذلك شعار مطعم بيتزا مجاور ادعوا أنه يمثل رمزًا لاستغلال الأطفال.وهكذا جُمعت خيوط متفرقة–بريد إلكتروني سياسي، ومطعم عائلي، وصور عابرة–ونُسجت في حكاية واحدة متماسكة في ظاهرها.

اتسم خطاب القصة بنبرة أخلاقية حادة وتصوير شبه أبوكاليبتي للأحداث.استخدم أنصار النظرية مفردات مثل"حلقة لاستعباد الأطفال"و"طقوس شيطانية"و"نخبة فاسدة"لوصف الخصوم المفترضين.وبلغ الأمر بمقدم البرامج اليميني أليكس جونز أن اتهم هيلاري كلينتون علنًا بأنها"قتلت أطفالًا بنفسها"في سياق حديثه عن هذه المزاعم.مثل هذه اللغة الاتهامية الشنيعة–المدعومة بمفردات الاستيقاظ للحق("استيقظوا!الحقيقة تُكشف")–أعطت الرواية طابع الكشف الفضائحي أو ما أسماه المؤمنون بها"صحوة"ضد الشر المستتر.قدّم مروجو القصة أنفسهم كأصحاب مهمة أخلاقية لكشف الفساد وحماية الأطفال، مما أكسب السردية تعاطفًا في بعض الأوساط التي رأت فيها معركة بين الخير والشر.أحد الشعارات التي انتشرت على تويتر آنذاك كان:"لا تتراجع...بيتزاغيت في كل مكان"–في إشارة إلى وجوب مواصلة نشر الحقيقة المزعومة بلا هوادة.

خلال أسبوعين من ظهورها، بدأت مجتمعات رقمية مخصصة لهذه النظرية بالتكوّن.أنشأ المؤمنون بها منتديات خاصة مثل/r/pizzagate على ريديت لمناقشة"الأدلة"وتبادل التكهنات.داخل هذه"غرف الصدى"المغلقة، أعاد المستخدمون تدوير السرد مرارًا وأضافوا إليه تفاصيل جديدة، مما رسّخ القناعة الجماعية بصحة القصة.وعندما قام موقع ريديت بإغلاق منتدى pizzagate في 22 نوفمبر 2016 بحجة منع نشر معلومات شخصية وتحريض على العنف، اعتبرها الأنصار محاولة رقابية متعمدة، فانتقلوا إلى منصات بديلة مثل Voat لمتابعة النقاش.هذا الإجراء عزز لدى البعض الإحساس بأن"يدًا خفية تحاول إسكات الحقيقة",فتحول الإغلاق إلى دليل إضافي في نظرهم على مصداقية ما يؤمنون به.وبالمثل، عندما بدأت فيسبوك وتويتر بإزالة بعض المنشورات أو إغلاق حسابات بسبب انتهاك السياسات، تزايدت قناعة المؤمنين بأنهم يتعرضون لحملة إسكات منظمة.

على صعيد آخر، أدت قوة الدفع الرقمية إلى جر الرواية من فضاء التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام التقليدية.في البداية، تعاملت كبريات الصحف بحذر مع القصة واعتبرتها مجرد شائعة مغرضة تستحق التفنيد.نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 21 نوفمبر 2016 تقريرًا تحقيقيًا يفند مزاعم"بيتزاغيت"، موضحةً أن الموظفين في مطعم كوميت وأليفسنتس تلقوا سيلًا من التهديدات المبنية على ادعاءات لا أساس لها.ركزت التغطية على إظهار التناقضات الواضحة في الرواية:لا وجود لقبو في المطعم، ولا صلة مباشرة بين أليفسنتس وهيلاري كلينتون، ولم تُفتح أي تحقيقات جنائية بشأن المزاعم.لكن مع ذلك، كانت نبرة الصحيفة حذرة تصف القصة بأنها"معلومات مضللة"دون الدخول في تخوين أصحابها.في تلك المرحلة كانت التغطية تفسيرية–تسعى لتفسير الظاهرة ووضعها في سياق موجة الأخبار الكاذبة التي اجتاحت منصات التواصل خلال الانتخابات.

نقطة التحول الكبرى جاءت في مطلع ديسمبر 2016، عندما خرجت القصة تمامًا عن السيطرة إلى أرض الواقع.في 4 ديسمبر 2016 دخل الشاب إدغار ماديسون ويلش(28 عامًا من نورث كارولاينا)إلى مطعم كوميت مسلحًا ببندقية شبه آلية، عازمًا على"التحقيق شخصيًا"في ما سمعه وقرآه على الإنترنت.قام ويلش بإطلاق رصاصتين داخل المطعم محدثًا ذعرًا بين الزبائن والموظفين، قبل أن يستسلم للشرطة.لاحقًا صرح للسلطات أنه جاء"لإنقاذ الأطفال"بعد أن أقنعه ما قرأه بوجود ضحايا محتجزين تحت المطعم.هذا الحادث المفزع جذب اهتمام كل وسائل الإعلام الوطنية والدولية، ليصبح خبرًا رئيسيًا في نشرات الأخبار.تحولت الرواية من مجرد شائعة رقمية إلى قضية رأي عام تُناقش على طاولات الأخبار والتحليلات الأمنية.أبرزت التغطيات الإخبارية الحادث بوصفه نتيجة خطيرة لحملة تضليل إلكترونية، وأوردت تفاصيل الواقعة موضحةً عدم وجود أي ضحايا أو أدلة بالمكان.هكذا أصبحت التغطية إخبارية مباشرة تروي الحدث(إطلاق النار)مقرونًا بتفسير خلفيته(قصة البيتزا).ومن اللافت أن بعض التقارير حينها استخدمت مصطلح"قصة إخبارية زائفة"في وصف بيتزاغيت، في حين اكتفت أخرى بوصفها"نظرية مؤامرة"مثيرة للسخرية.

ثانيا:مخرجات التحقيقات والرواية المضادة: 

في مطلع عام 2017، نشر عدد من كبريات وسائل الإعلام تقارير استقصائية خلُصت إلى أن هذه النظرية لا أساس لها على الإطلاق.أكد تقرير واشنطن بوست مثلاً أن المزاعم"مفبركة بالكامل"وفق تحقيقات شرطة العاصمة، وأبرز تقرير نيويورك تايمز أن الأمر بدأ كشائعة على الإنترنت وتطور عبر حلقات من الخداع.كما قامت وكالات إنفاذ القانون بإصدار بيانات تنفي فيها وجود أي تحقيق فعلي حول الموضوع، باستثناء التحقيق مع الرجل المسلح الذي اقتحم المطعم.وأمام هذه الحقائق، تراجع بعض من روجوا للقصة أو غيّروا موقفهم.على سبيل المثال، اضطر أليكس جونز–الذي كان من أبرز ناشري نظرية بيتزا غيت–إلى نشر اعتذار علني في مارس 2017 عن دوره في ترويج القصة، بعد تهديد باتخاذ إجراءات قانونية ضده.تبرأ جونز من القصة وقال إنه اعتمد على مصادر ادعت له معلومات مضللة.هذا التراجع العلني من شخصية مؤثرة في معسكر المؤامرة اعتبره البعض انتصارًا للحقيقة ودليلاً على هشاشة أساس المزاعم.وقد وصفت شبكة CNN في فيلم وثائقي لاحق هذه الحالة بأنها نموذج لكيفية"تطرف الناس العاديين بواسطة محتوى مجنون على الإنترنت".

الخاتمة

في المحصلة، تكشف قصة"البيتزا"التي هزّت انتخابات 2016 عن ظاهرة مركّبة تتجاوز كونها شائعة إلكترونية عابرة.لقد كانت رواية رقمية بامتياز نمت وتشكّلت ضمن بيئة انتشار معلوماتية غير مسبوقة، حيث تداخل دور المستخدم العادي مع دور صانع الخبر.جمعّت هذه القصة بين عناصر الحكاية الشعبية المثيرة–رموز خفية، أشرار مزعومون، أبطال يسعون لكشف المستور–وبين أدوات العصر الرقمي التي سمحت بانتشارها كالنار في الهشيم عبر المنصات الاجتماعية.في المقابل، أخذت المؤسسات الصحفية ومسارات التقصي المحترفة موقعًا موازيًا يقدم تفسيرات وتحقيقات موثقة، لتبيان الحقائق وفصل الواقع عن الخيال.

لم تكن"قصة البيتزا"مجرد إشاعة تقليدية قابلة للدحض السريع، بل أصبحت لحظة كاشفة لطبيعة العصر الإعلامي الذي نعيشه.فهي تبرز كيف يمكن لسردية غير موثقة أن تكتسب حياة ذاتية وتغدو جزءًا من النقاش العام، مدفوعةً بثقة شريحة من الناس بـ"معارفهم"الخاصة مقابل شكهم بالمصادر التقليدية.كما تظهر في الوقت ذاته أهمية دور الصحافة الاستقصائية في تقديم رواية موازية مبنية على الأدلة والتحقق، دون الانزلاق إلى خطاب التخوين أو الاستعداء.ففي نهاية المطاف، تعايشت رواية بيتزاغيت الشعبية والتحقيقات الصحفية لفترة، وأصبحت كل منهما جزءًا من قصة الأخرى:المؤامرة الشعبية استمرت رغم التفنيد الرسمي، والتحقيقات الصحفية باتت هي نفسها مادة للجدل والتأويل لدى المؤمنين بنظرية المؤامرة.

بعد مضي السنوات، بقيت آثار تلك الحادثة حاضرة في الذاكرة الجماعية.أصبحت"بيتزاغيت"درسًا يستشهد به عند الحديث عن خطر الأخبار الكاذبة وكيفية تكون الظواهر الإعلامية في العصر الرقمي دون الحاجة لأساس واقعي.إنها قصة تجمع بين سرد شعبي حالم بتحقيق العدالة من خارج المنظومة، وبين تحقيق صحفي يسعى لإبراز الحقائق من داخل المؤسسات–وفي ثنايا هذا التجاذب، أدرك المجتمع أن الحقيقة نفسها قد تصبح ضحية إن لم نتعامل بوعي نقدي مع ما نقرأه ونسمعه.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
ما قصة البيتزا التي هزت انتخابات امريكا عام 2016؟.pdf
131.7 KB