لم يعد"الذوق العلمي"يتغير ببطء كما اعتدنا في العقود السابقة؛ نحن امام ايقاع جديد للمعرفة، تصنعه منصات بيانات، وحوسبة فائقة، وادوات ذكاء اصطناعي تتقدم من الهامش الى قلب المختبر.ما تلمح اليه مجلة Nature في قراءتها لاتجاهات 2026 هو انتقال مركز الثقل من"عالم يقرا ويجرب"الى"منظومة بحثية"يتشارك فيها الانسان مع"عالم AI"قادر على اقتراح فرضيات، وتخطيط تجارب، وتحليل نتائج بسرعة تتجاوز الطاقة البشرية التقليدية.وفي الوقت نفسه، يقترب تحرير الجينات من مرحلة ادق واكثر تخصيصا، ليس بوصفه وعدا مستقبليا عاما، بل كقدرة سريرية قد تعاد صناعتها لمريض واحد خلال اشهر.وعلى خط مواز، تعود المشاريع الكبرى:بعثات فضائية، تلسكوبات جديدة، وحفر اعماق قاع المحيط في محاولة للوصول الى اسئلة"اصلية"عن تشكل القشرة وحركة الصفائح.هذا الثلاثي(AI في المختبر، جينوم ادق، واستكشاف اكبر)لا يعني فقط مزيدا من الاكتشافات، بل يعني تغييرا في"من يقرر"ما يستحق ان يصبح علما، وكيف تصل الفكرة الى نتيجة قابلة للنشر، ثم الى سوق او سياسة عامة.
اذا اردنا قياس كيف صار"عالم AI"واقعا لا شعارا، يكفي النظر الى سلوك الباحثين انفسهم.مجلة Nature تنقل عن استطلاع شمل قرابة 1,600 اكاديمي في 111 دولة ان"اكثر من 50%"استخدموا ادوات ذكاء اصطناعي اثناء تحكيم الابحاث(peer review)، وغالبا بصورة تتجاوز او تسبق ارشادات بعض الدوريات(Naddaf,2025).هذه ليست تفصيلة ادارية صغيرة؛ انها علامة على ان الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اداة لكتابة المسودات، بل صار جزءا من"بنية اتخاذ القرار العلمي"نفسها:كيف نفهم ورقة؟ كيف نلخص؟ كيف نفحص حججا واحصاءات؟ ومع توسع الفكرة، تتشكل طبقة جديدة من"علماء AI"او"الوكلاء"الذين لا يكتفون بالمساعدة اللغوية، بل يشتغلون كعقل بحثي مساعد:يقترحون زوايا، يربطون ادبيات متباعدة، ويولدون تصاميم تجريبية.اثر ذلك على وتيرة الاكتشاف واضح:تقليص زمن الاستكشاف الاول(search space)الذي كان يستهلك اشهرا من القراءة والمراجعة، وتسريع دورات"فرضية-تجربة-تحليل"عبر مختبرات مؤتمتة او شبه مؤتمتة.لكنه يحمل ايضا مخاطره:اذا كانت الخوارزمية توجه الانتباه لما هو"قابل للنمذجة"او"متوفر البيانات"، فقد تزداد انحيازات النشر نحو الاسئلة التي تخدمها البيانات الجاهزة، على حساب اسئلة تتطلب ملاحظة ميدانية او ارشفة طويلة.ولهذا يصبح السؤال الجوهري في 2026 ليس:هل نستخدم AI؟ بل:من يضع قواعد الاستخدام، وكيف نضمن شفافية الاستدلال، ومن يتحمل مسؤولية الخطا عندما تكون سلسلة القرار خليطا من بشر ونماذج؟
في الجهة الطبية، يشير مسار 2026 الى ان تحرير الجينات يخرج من اطار"تقنيات عامة"نحو"طب شديد التخصيص".مجلة Nature تحدثت عن"رقم قياسي"تمثل في انجاز علاج بتحرير جيني"مفصل على مريض واحد"خلال نحو ستة اشهر، وهو زمن كان قبل سنوات يبدو غير واقعي في ظل سلاسل التصنيع والاختبارات والاعتمادات(Nature,2025a).اهمية هذا الرقم ليست في الشهر السادس بحد ذاته، بل في ما يعنيه:ان دورة الابتكار العلاجي يمكن ان تصبح اقصر، وان فكرة"دواء لمريض واحد"قد تنتقل من الاستثناء الى نموذج تتنافس عليه المختبرات والجهات الممولة.وعندما تتقدم الدقة، تتغير اسئلة الاخلاق والسياسة الصحية:من يدفع كلفة علاج مفصل؟ كيف تقاس سلامته مقارنة بعلاج واسع الاستخدام؟ وكيف تمنع الفجوة بين من يملك الوصول الى بنية تحتية جينية ومن لا يملكها؟ في 2026 سنرى ايضا ان"الدقة"ليست تقنية فقط، بل تنظيم بيانات ومتابعة طويلة، وربط بين مختبر وعيادة وشبكات تسلسل جيني، اي ان الجامعات التي تملك ذكاء اصطناعي دون قدرة سريرية، او تملك قدرة سريرية دون بنية بيانات، ستظل على الهامش ما لم تبن الجسر بينهما.
اما"المشاريع الكبرى"التي تضع مجلة Nature على رادار 2026، فهي تذكرنا بان العلم لا يتحرك فقط داخل السيرفرات، بل يحتاج احيانا الى آلات ضخمة وتعاون دولي وميزانيات طويلة النفس.في الطب الوقائي مثلا، تترقب بريطانيا نتائج المرحلة الحاسمة من تجربة NHS-Galleri، وهي اكبر تجربة مستقبلية من نوعها لاختبار كشف مبكر متعدد السرطانات عبر فحص دم؛ NHS England تشير الى مشاركة"اكثر من 140,000"شخص بين 50 و77 عاما، وان الفحص يستهدف اشارات مرتبطة"باكثر من 50 نوعا"من السرطان، مع موعد تقييم الاهداف الاساسية في 2026(NHS England,2024).هذه ارقام تكشف طبيعة"علم 2026":ليس ورقة مخبرية صغيرة، بل تجارب سكانية ضخمة تربط التشخيص بالتكلفة بالسياسة الصحية.وفي الفضاء، تخطط ناسا لارسال اربعة رواد في Artemis II في مهمة تحليق قمري مدتها"10 ايام"، مع اطلاق"لا يتاخر عن ابريل 2026"بحسب صفحة المهمة الرسمية(NASA,n.d.).اوروبا ايضا تضع تلسكوب PLATO على مسار اطلاق"نهاية 2026"مزودا بـ"26 كاميرا"، وسيستهدف مسح"اكثر من 200,000 نجم"للبحث عن كواكب شبيهة بالارض وفهم اهتزازات النجوم(ESA,n.d.;DLR,n.d.).
وعلى الارض، تبرز محاولة الصين دفع حفر قاع المحيط الى مستوى جديد عبر سفينة Meng Xiang المصممة للحفر حتى"11 كيلومترا"داخل القشرة المحيطية بهدف جمع عينات تقرب العلماء من فهم تشكل قاع المحيط وديناميات الصفائح، مع توقع ان تكون 2026 بوابة اولى لبعثتها العلمية(CGS,2025;Xinhua,2024).هذه الامثلة الثلاثة(فحص دم سكاني، بعثة قمرية مأهولة، وحفر قاع المحيط)تتشارك منطقا واحدا:توسيع مجال البيانات والقياس الى حدود لم تكن ممكنة، ثم تحويل ذلك الى قرارات علمية وسياسات عامة وصناعات.
السؤال الذي يهم جامعات ومختبرات الشرق الاوسط هو:كيف ندخل هذا الموج بدل الاكتفاء بمشاهدته؟ الفرصة هنا ليست ان"ننافس"مباشرة على بناء سفن حفر او صواريخ، بل ان نختار نقاط الدخول الذكية التي يتيحها عالم AI تحديدا.اول فرصة هي بناء"مختبرات بيانات"مرتبطة بمشكلات المنطقة:صحة عامة(سكري، قلب، سرطانات شائعة)، مناخ ومياه، طوارئ وكوارث، ولغات وهوية رقمية.حين تصبح البيانات منظمة وقابلة للاستخدام، يمكن لعالم AI ان يضاعف قيمة الفريق البحثي الصغير:نماذج للتنبؤ، ادوات للكشف المبكر، او منصات محاكاة.ثاني فرصة هي الدخول عبر"الشراكات"مع البرامج العالمية المفتوحة:بعثات الفضاء والمحيط لا تحتاج فقط من يطلق، بل تحتاج من يحلل ويستنتج ويطور خوارزميات للصور والاطياف والاشارات.ثالث فرصة هي توطين ثقافة"الشفافية والتحقق":استخدام AI في الكتابة والتحكيم والتحليل سيزداد، لكن التفوق سيكون لمن يبني سياسات واضحة للتوثيق والافصاح واعادة الانتاج، لان الثقة ستصبح عملة نادرة في عصر نصوص وصور يمكن توليدها بسرعة.في هذا السياق، مجرد ان اكثر من نصف المحكمين عالميا باتوا يستخدمون AI(Naddaf,2025)يعني ان الجامعات التي لا تضع ارشادات تدريبية واخلاقية مبكرا قد تدفع الثمن لاحقا، سواء في السمعة او جودة البحث.
خلاصة"علم 2026"كما يظهر من قراءات مجلة Nature ومتابعاتها هي ان العالم يتجه نحو علم اسرع، اكثر اعتمادا على البيانات، واشد تشابكا بين مختبر وخوارزمية ومؤسسة."عالم AI"قد يغير وتيرة الاكتشاف عبر ضغط الزمن بين الفكرة والنتيجة، لكن بشرط ان يبقى السؤال العلمي ملكا للانسان لا اسير المقاييس السهلة.التحرير الجيني الادق يفتح بابا لطب مخصص قد يقلب مفهوم الدواء ذاته، لكنه يفرض اسئلة عدالة وكلفة وتنظيم.والمشاريع الكبرى، من PLATO الى Artemis II الى حفر القشرة المحيطية، تذكرنا بان الاستكشاف ما زال يحتاج شجاعة مؤسساتية وتمويلا وصبرا.في النهاية، الفرصة الاكبر للمنطقة ليست في تقليد الطريق نفسه، بل في اقتناص نقاط التلاقي:بيانات محلية ذات معنى، شراكات تحليل عالمية، وسياسات نزاهة علمية تجعلنا جزءا من انتاج المعرفة، لا مجرد مستهلكين لها.

التعليقات