في ثقافة الإنتاج الحديثة، يقُدَّم الاحتراق النفسي(Burnout) غالبًا بوصفه خللًً فرديًا يمكن إصلًحه بنصائح جاهزة: "نم أكثر، نظّم وقتك، خفف استخدام المنصات الرقمية". غير أن هذا الخطاب يتجاهل التحول الجوهري في تعريف الظاهرة. فوفق تصنيف منظمة الصحة العالمية، لا يعُد الاحتراق مرضًا فرديًا، بل "ظاهرة مهنية" ناتجة عن ضغط مزمن في مكان العمل لم تتم إدارته بنجاح ،وتظهر في ثلًث سمات رئيسية: الاستنزاف العاطفي والذهني، التباعد أو السلبية تجاه العمل، وتراجع الفاعلية المهنية. هذه الصياغة تنقل النقاش من أخلًقيات الفرد إلى بنية السياق، وتفتح سؤالاً أكثر عمقًا: هل المشكلة في ضعف الأفراد، أم في نظام إنتاجي يدفعهم إلى استهلًك أجسادهم وانتباههم كي يظلوا "مواكبين"؟
تتضح الطبيعة النظامية للًحتراق عندما ننظر إلى انتشاره الواسع. تشير بيانات غالوب إلى أن ما يقارب ثلًثة أرباع الموظفين في الولايات المتحدة يشعرون بالاحتراق "أحيانًا على الأقل"، فيما يقر نحو ربعهم بالشعور به "كثيرًا جدًا أو دائما". وفي مسح "العمل في أمريكا" الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس، أفاد 77% من العاملين بتعرضهم لضغط مرتبط بالعمل خلًل الشهر السابق ،وذكر 57% أن هذا الضغط خلفّ آثارًا سلبية مباشرة(American Psychological Association [APA], 2023). عندما تبلغ الظاهرة هذا الاتساع، يصبح من غير المنطقي تفسيرها بقصور فردي متزامن لدى ملًيين العاملين؛ بل تشير إلى خلل بنيوي في شروط العمل نفسها.
يزداد هذا الخلل وضوحًا مع صعود بيئات العمل الرقمية. فبحسب تقريرMicrosoft Work Trend Index (2024) ، يعاني 68% من العاملين من وتيرة وحجم عمل مرتفعين، بينما يشعر 46% بالاحتراق. والأكثر دلالة أن 85% من الرسائل الرقمية تقُرأ خلًل أقل من 15 ثانية، ما يعني أن التواصل نفسه تحوّل إلى آلية سحب انتباه دائم تمنع الدماغ من الدخول في فترات تركيز عميق. في هذا السياق، لا يعود الاحتراق نتيجة ساعات طويلة فقط، بل نتيجة تفكك الزمن: انتقال مستمر بين مهام ورسائل وإشعارات يضع الجسد في حالة يقظة دائمة، أقرب إلى الطوارئ منها إلى العمل المستدام.
من هنا، يصبح التعافي من الاحتراق أكثر تعقيدًا من "استراحة قصيرة". فالجسد لا يتعامل مع الضغط كفكرة، بل كحِمل فسيولوجي متراكم: نوم متقطع، جهاز عصبي مستثار، وتراجع القدرة على الاستشفاء. وعندما يعُاد تعريف التعافي بوصفه واجبًا فرديًا جديدً ا—نم أفضل لتعمل أكثر—تسُرق منه وظيفته الأساسية: إعادة السيادة على الإيقاع. هكذا يتحول التعافي إلى مسكن مؤقت، بينما يبقى النظام نفسه مولًدًا للضغط.
التمييز بين الاحتراق كمشكلة فردية وكمشكلة نظامية يتضح عند سؤال بسيط: من يملك سلطة ضبط الإيقاع؟ يمكن للفرد أن يتعلم أدوات إدارة الوقت، لكنه غالبًا لا يملك التحكم في حجم العمل، ولا في ثقافة الاستجابة الفورية، ولا في مقاييس الأداء التي تكافئ "التوفر الدائم ."تشير تقارير الرفاه الوظيفي إلى تراجع مؤشرات "الازدهار" لدى العاملين مقارنة بسنوات سابقة، بما يعكس ضغطًا متزايًدًا على الحياة اليومية لا على العمل وحده(Gallup, 2023). وتظهر دراسات أوروبية حديثة أن الضغوط النفسية والاجتماعية في بيئات العمل ما تزال واسعة، مع شعور مرتفع بعدم التقدير وبتسارع الإيقاع، ما يؤكد أن المسألة عابرة للثقافات والاقتصادات.
إذا كان الاحتراق عرضًا لنظام، فإن التعافي الحقيقي يحتاج مستويات متداخلة تعمل معًا. على المستوى الفردي، لا يخُتزل التعافي في رفع الإنتاجية، بل في استعادة شروطها الحيوية: نوم منتظم، تقليل تبديل المهام (task switching)، وحماية فترات خالية من الإشعارات كي يعود الدماغ من نمط الاستجابة السريعة إلى نمط المعالجة العميقة. هذه الممارسات ليست "ترفًا صحيًا"، بل إعادة وصل مع الجسد بوصفه شرطًا أساسيًا للقدرة على العمل.
لكن هذا المستوى يظل محدود الأثر إذا لم يترافق مع مستوى جماعي ومؤسسي. جماعيًا، يحتاج التعافي إلى لغة مشتركة داخل الفرق: قواعد تواصل واضحة، ساعات صمت، وشرعية طلب المساندة دون وصم. أما مؤسسيًا، فيتطلب معالجة أسباب الضغط نفسها: عبء عمل قابل للإنجاز، استقلًلية حقيقية في أداء المهام، وتوقعات واقعية للًستجابة. حين تقُاس القيمة بعدد الساعات والردود السريعة، ينتشر الاحتراق كعدوى؛ وحين تقُاس بجودة القرار والنتيجة، يصبح التعافي استثمارًا لا رفاهية.
في النهاية، لا يتمحور السؤال حول "كيف نمنع أنفسنا من الاحتراق؟" بقدر ما يتمحور حول "لماذا صُممت أنظمة العمل والتعليم والمنصات الرقمية بحيث يصبح الاحتراق احتمالاً عاديًا؟". إن فهم الاحتراق بوصفه إشارة إنذار من الجسد، لا ضعفًا في الإرادة، يغيّر معنى التعافي نفسه. فالتعافي ليس عودة سريعة إلى خط الإنتاج، بل مفاوضة جادة على شكل الحياة: إيقاع أبطأ، وحدود أوضح، وثقافة إنتاج تحمي الإنسان لا أداؤه فقط.

التعليقات