الخوف من ان يفوتك شيء: كيف تصنع المنصات قلقنا الاجتماعي؟

الخوف من ان يفوتك شيء لم يعد شعورا عفويا، بل نتيجة تصميم رقمي ذكي.

الخوف من ان يفوتك شيء: كيف تصنع المنصات قلقنا الاجتماعي؟

الـFOMO او "الخوف من ان يفوتك شيء" لم يعد مجرد شعور عابر، بل صار تجربة يومية تصنعها بيئة المحتوى نفسها. الفكرة الاساسية ان المنصات لا تعرض "ما يحدث" فقط، بل تبني احساسا بان ما يحدث مهم، ونادر، ويحدث الان، وان غيابك عنه يعني خسارة اجتماعية. لهذا يرتبط الـFOMO بقلق اجتماعي متزايد: ليس خوفا من الحدث بحد ذاته، بل خوفا من ان تخرج من الدائرة: دائرة الاصدقاء، الحديث المشترك، او "اللحظة" التي تمنحك شعورا بالانتماء.

يصنع المحتوى هذا الخوف عبر خصائص تصميمية متراكبة، اهمها الندرة الزمنية والاشارات الاجتماعية. المحتوى المؤقت (Stories) مثلا يخلق "ضغط اللحظة": نافذة مشاهدة قصيرة، وبعدها تختفي القصة، فيتولد دافع التحقق المتكرر كي لا يفوتك شيء. دراسة منشورة عام 2023 في SAGE Open وجدت ان "مؤقتية المحتوى" (content ephemerality) تحفز الـFoMO، ما يزيد تفاعل المتابعين مع الحسابات، وفي الوقت نفسه يمكن ان يرفع "ارهاق المتابعة" (fatigue) بسبب الاستنزاف المستمر (Maar, 2023). الى جانب ذلك تعمل مؤشرات الاعجاب والتعليقات والمشاهدات كاشارات مكانة: لا ترى الحدث فقط، بل ترى ايضا "قيمة" الحدث عبر تفاعل الناس معه، فتشعر ان التخلف عنه يساوي التخلف عن معيار اجتماعي. ثم تاتي الخوارزميات لتضخم الاثر: عندما تكافئ المنصة محتوى معين بالانتشار، يبدو لك انه "الكل يتحدث عنه"، فيتحول الفضول الى قلق، ويتحول القلق الى سلوك متابعة قهري.

لماذا يرفع الـFOMO القلق الاجتماعي تحديدا؟ لان الية عمله تمر غالبا عبر المقارنة الاجتماعية وتقدير الذات. نموذج بحثي منشور عام 2024 يوضح ان الـFoMO يرتبط بالاستخدام الاشكالي للسوشيال ميديا، وان هذا الارتباط يمر عبر سلسلة: ميل اكبر للمقارنة الاجتماعية ثم انخفاض تقدير الذات، ما يجعل المستخدم اكثر حساسية لفكرة "الاستبعاد" او "عدم الكفاية" (Servidio, 2024). عندما ترى لقطات منتقاة لحياة الاخرين (سفر، لقاءات، نجاحات)، فانك لا تقارن حدثا بحدث، بل تقارن قيمة ذاتك بصورة "مثالية" متكررة، فيرتفع قلق التقييم الاجتماعي: كيف يراني الناس؟ لماذا لست هناك؟ هل انا خارج المجموعة؟ هذا القلق قد يتحول الى متابعة مفرطة كي تستعيد شعورا مؤقتا بالانتماء، لكنه غالبا يعيد انتاج المشكلة: كلما تابعت اكثر، اتسعت مساحة المقارنة.

البيانات الحديثة تدعم وجود هذا الترابط بين دوائر الاستخدام والقلق. في ميتا-تحليل عام 2025 شمل 32 دراسة و 26,166 طالبا، ظهرت علاقة موجبة بين ادمان السوشيال ميديا وكل من القلق (r≈0.31) والـ FoMO (r≈0.41. هذا لا يعني ان الـFoMO "يسبب" القلق وحده، لكنه يبين انه جزء من حزمة نفسية-سلوكية تتغذى على بعضها: قلق اكبر، تعلق اكبر بالمنصة، وخوف اكبر من الفوات. والاهم ان ابحاثا حديثة تربط الـFoMO مباشرة بما يسمى "القلق الاجتماعي عبر الانترنت". دراسة عام 2025 على طلبة جامعة (451 مشاركا) وجدت ان الـFoMO يتنبأ بالقلق الاجتماعي اونلاين، مع ادوار وسيطة مثل تعدد المهام الاعلامي والمماطلة غير العقلانية (Wu et al., 2025). الصورة هنا واضحة: المحتوى لا يخلق فقط رغبة في المتابعة، بل يخلق بيئة اجتماعية "دائمة التشغيل" تجعل التوقف يبدو مخاطرة، فتزيد حساسية الفرد لنظرة الاخرين ومكانته بينهم.

الخلاصة ان الـFOMO ليس ضعف شخصية، بل نتيجة تفاعل بين حاجة انسانية للانتماء وبين محتوى مصمم بالندرة والمؤشرات والخوارزميات. لذلك رفع القلق الاجتماعي يحدث عندما يصبح الحضور الرقمي شرطا للشعور بالقبول. تقليل اثره يبدأ من فهم الخدعة: ما نراه ليس الحياة كاملة، بل لقطة منتقاة ومكافاة بخوارزمية، وان الانتماء الحقيقي لا يقاس بعدد القصص التي شاهدتها، بل بعمق العلاقات التي تعيشها خارج الشاشة.