العودة الى القمر في 2026: لماذا تعتبر ارتميس II اخطر رحلة فضائية؟

ارتميس II ليست عودة رمزية للقمر، بل اختبار شامل للانسان والتكنولوجيا قبل ان تصبح العودة الى سطح القمر “امرًا ممكنًا” من جديد.

العودة الى القمر في 2026: لماذا تعتبر ارتميس II اخطر رحلة فضائية؟

تدخل مهمة ارتميس II مع مطلع عام 2026 مرحلة مفصلية في تاريخ استكشاف الفضاء الماهول، ليس فقط لانها اول مهمة بشرية الى محيط القمر منذ عام 1972، بل لانها تمثل اختبارا شاملا لقدرة دولة حديثة على ادارة مشروع فضائي معقد تتداخل فيه الاعتبارات العلمية، والتقنية، والسياسية، والصناعية.فرغم ان المهمة لا تتضمن هبوطا على سطح القمر، فان اهميتها لا تقل عن ذلك؛ اذ تحمل اربعة رواد فضاء في رحلة تستغرق قرابة عشرة ايام، تنطلق من الارض، وتدور حول القمر وفق مسار“العودة الحرة”، ثم تعود، في تجربة تهدف الى اختبار كامل منظومة التشغيل البشري في الفضاء العميق قبل الانتقال الى الهبوط ضمن ارتميس III.

هذا الاختيار ليس صدفة ولا تراجعا عن الطموح، بل يعكس تحولا واعيا في فلسفة استكشاف الفضاء.فبدلا من السعي وراء انجاز رمزي سريع يعيد مشهد الهبوط فحسب، تركز ناسا على بناء قدرة تشغيلية مستدامة، تبدأ باختبار انظمة دعم الحياة، والاتصالات بعيدة المدى، والملاحة، وادارة الطاقم في بيئة لا تسمح باي عمليات انقاذ سريعة.بهذا المعنى، تصبح ارتميس II مرحلة تأسيسية لا غنى عنها، لا خطوة ناقصة، لانها تختبر ما هو اصعب من الهبوط نفسه:بقاء الانسان وعمله وعودته سالما من الفضاء العميق.

اولا:ما هي ارتميس II بالضبط؟

ارتميس II هي ثاني مهمة ضمن برنامج ارتميس، لكنها اول مهمة مأهولة فيه.المهمة لا تهدف الى الهبوط على سطح القمر، بل الى الطيران حوله والعودة، في رحلة مخطط لها ان تستغرق نحو عشرة ايام.سيغادر الطاقم الارض على متن مركبة اوريون، مدفوعة بصاروخ SLS، ليصل الى مسافة بعيدة خلف الجانب غير المرئي من القمر، قبل ان يعود وفق مسار باليستي يضمن الرجوع الى الارض حتى في حال تعطل الدفع.

هذا التصميم يعكس منطق السلامة القصوى:فمسار“العودة الحرة”يسمح للمركبة بالعودة تلقائيا بفعل الجاذبية، ما يقلل المخاطر في حال حدوث خلل.في الوقت ذاته، يضع الطاقم وانظمة المركبة تحت ظروف فضاء عميق حقيقية، بعيدا عن مظلة الارض المغناطيسية، وهو ما لم يختبره البشر منذ نهاية برنامج ابولو.

ثانيا:التطور الاحدث–17 يناير 2026

في 17 يناير 2026، وصلت مهمة ارتميس II الى لحظة رمزية وعملية حاسمة، حين قامت ناسا بدحرجة صاروخ SLS مع مركبة اوريون الى منصة الاطلاق 39B في مركز كينيدي الفضائي.هذه العملية، التي استغرقت ساعات، لم تكن مجرد خطوة لوجستية، بل اشارة واضحة على دخول المهمة مرحلة التحضير النهائي.حضور عدد كبير من موظفي ناسا والمتعاقدين خلال عملية النقل يعكس الطابع المؤسسي الواسع للبرنامج، ويؤكد ان ارتميس ليست بعثة منفردة، بل منظومة تشغيلية متكاملة.

الوصول الى المنصة يعني ان الصاروخ، والمركبة، والبنية الارضية، باتت ضمن بيئة الاطلاق الحقيقية، حيث ستخضع لاختبارات نهائية تحاكي ظروف المهمة الفعلية.سياسيا، تمثل هذه اللحظة ايضا رسالة ثقة:البرنامج لم يعد في مرحلة التصميم او الجدل، بل في مرحلة التنفيذ.

ثالثا:نوافذ الاطلاق وحدود القرار السياسي

حددت ناسا ثلاث نوافذ اطلاق محتملة لمهمة ارتميس II، وفق قوانين المدار القمري والاعتبارات الفيزيائية الصارمة:

  • من 6 الى 11 فبراير 2026
     
  • من 3 الى 11 مارس 2026
     
  • من 1 الى 6 ابريل 2026
     

هذه النوافذ تكشف حقيقة جوهرية في مشاريع الفضاء العميق:الارادة السياسية وحدها لا تستطيع فرض التوقيت.فالمسارات المدارية، وزوايا الاضاءة، وظروف العودة، تفرض قيودا لا يمكن تجاوزها بالضغط او الخطاب.ومن هنا، يصبح الالتزام بالجدول الزمني جزءا من معركة الشرعية، لا مجرد مسالة تقنية.

كل يوم تاخير، حتى لو بدا محدودا، يحمل كلفة تشغيلية مباشرة، ويؤثر على ثقة الجمهور، وعلى صورة الكفاءة المؤسسية، وعلى قدرة البرنامج على الحفاظ على زخمه السياسي في بيئة تتسم بالتنافس على الموارد.وهكذا يتحول الزمن نفسه الى عنصر اقتصادي وسياسي فاعل.

رابعا:"الاختبار الفاصل"–تجربة التزويد الكامل بالوقود

قبل الاطلاق، تخضع ارتميس II لما يعرف بتجربة“التزويد الكامل بالوقود”(Wet Dress Rehearsal)، وهي محاكاة كاملة لعملية العد التنازلي، تتضمن تحميل الوقود الفائق البرودة، وتشغيل الانظمة، واختبار التفاعل بين الصاروخ والبنية الارضية والفرق التشغيلية.

تقنيا، تهدف هذه التجربة الى اكتشاف اي مشاكل محتملة قبل يوم الاطلاق.اما مؤسسيا، فهي اختبار لقدرة الدولة على ادارة المخاطر واتخاذ القرار تحت الضغط.فنجاح هذه التجربة يعزز الثقة في جاهزية البرنامج ويقرب موعد الاطلاق، بينما فشلها او ظهور اعطال غير متوقعة يفتح الباب امام نقاشات عامة حول التاخير والكلفة والمساءلة.هنا يتحول الاختبار من مسالة هندسية الى حدث سياسي، حيث يصبح قرار“الاستمرار او التاجيل”قرارا عالي الحساسية.

خامسا:الطاقم بوصفه اداة تحالف

يتكون طاقم ارتميس II من اربعة افراد:ثلاثة رواد فضاء من ناسا(Reid Wiseman قائدا، Victor Glover طيارا، وChristina Hammock Koch)، ورائد فضاء كندي واحد هو Jeremy Hansen.هذه التركيبة ليست عشوائية.فمشاركة كندا تعكس منطق الشراكة في المخاطر والعوائد، وتؤكد ان برنامج ارتميس مصمم ليكون منصة تحالفات، لا مشروعا قوميا مغلقا.

سياسيا، تمنح هذه الشراكات البرنامج حصانة نسبية من التقلبات الداخلية، لان الغاءه او تقليصه يصبح مساسا بالتزامات دولية.تقنيا، تعزز الشراكات تبادل المعرفة وتكامل الانظمة.وبهذا، يتحول الطاقم البشري نفسه الى رمز لتشابك المصالح الصناعية والتكنولوجية، ويصبح“الجسم البشري”جزءا من السياسة الصناعية.

سادسا:ماذا سيختبر الطاقم فعليا؟

الهدف المركزي للمهمة هو تأكيد جاهزية الانظمة والعتاد اللازمين لمهمات الاستكشاف الماهولة المبكرة حول القمر، وخصوصا قبل الهبوط.ستختبر المهمة انظمة دعم الحياة في اوريون، بما يشمل انتاج الاوكسجين، ازالة ثاني اوكسيد الكربون، التحكم بالرطوبة، وادارة الحرارة، والتعامل مع اختلاف معدلات النشاط البشري.

هذه التفاصيل التقنية، رغم انها قد تبدو صغيرة، هي في الواقع جوهر القدرة على الاستمرار في الفضاء العميق.فالدولة التي تطور انظمة موثوقة وقابلة للتكرار تضع معيارا سيؤثر على كل المهمات المستقبلية، سواء كانت حكومية او تجارية.ومن هنا، لا تختبر ارتميس II مركبة فقط، بل تختبر نموذج تشغيل كامل.

سابعا:السياسة الصناعية–ارتميس كاقتصاد لا كمهمة

ارتميس II لا يمكن فهمها بمعزل عن السياسة الصناعية الاميركية.فصاروخ SLS ومركبة اوريون يمثلان استثمارا ضخما في قاعدة صناعية وطنية موزعة على ولايات عدة، تشمل مصانع، وموردين، وعقودا طويلة الامد.بهذا المعنى، لا تشتري الدولة صاروخا فحسب، بل تشتري استمرارية منظومة صناعية كاملة.

لكن هذه السياسة تواجه مفارقة واضحة في 2026.فوثائق الميزانية تشير الى نية الادارة الاميركية دعم SLS واوريون حتى ارتميس III، ثم التحول تدريجيا نحو انظمة تجارية اكثر تنافسية.ارتميس II، اذا، تصبح حلقة حرجة:نجاحها يقوي حجة الاستمرار، بينما تعثرها يعزز دعوات التحول السريع نحو السوق.

خاتمة

بحلول يناير 2026، تقف ارتميس II عند تقاطع فريد بين العلم، والسياسة، والصناعة.هي ليست مجرد رحلة حول القمر، بل اختبار لقدرة دولة على تحويل الطموح الى منظومة مستدامة.نجاحها سيعزز فكرة ان الاستكشاف العميق يمكن ان يكون مشروعا وطنيا وتحالفيا في آن واحد، وان السياسة الصناعية يمكن ان تخدم الطموح العلمي بدل ان تثقله.اما تعثرها، فسيعيد فتح نقاشات جوهرية حول الكلفة، والبدائل، ومعنى“العودة”نفسها.

في الحالتين، ستبقى ارتميس II علامة فارقة، لانها تختبر ليس فقط مركبة اوريون، بل نموذج اتخاذ القرار في عصر تتداخل فيه الهندسة مع الجغرافيا السياسية، ويصبح الفضاء مرة اخرى ساحة اختبار لقدرة الدول على التنظيم، والتعاون، والاستمرار.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)