التضخم في الشهادات: عندما تفقد الشهادة قيمتها

كلما زاد عدد الشهادات، تراجعت قدرتها على التمييز بين من يملك المعرفة ومن يبحث فقط عن فرصة.

التضخم في الشهادات: عندما تفقد الشهادة قيمتها

يبدو"التضخم في الشهادات"ظاهرة بسيطة في ظاهرها:اعلانات وظائف كثيرة تطلب بكالوريوس او ماجستير لوظائف روتينية او تنفيذية لا تتغير مهامها جذريا عبر الزمن.لكن جوهر الظاهرة اعمق من مجرد"شرط مبالغ فيه"؛ فهو يعكس تحولا في منطق توزيع الفرص داخل المجتمع، حيث تتحول الشهادة من دليل تعلم الى"جواز مرور"اجتماعي واقتصادي، وتتحول الوظيفة من مساحة لاثبات الكفاءة الى بوابة تحكمها معايير فرز سريعة غالبا لا تقيس المهارة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول الى التعليم وتحمّل تكاليفه.في تقرير اعده باحثون من مشروع هارفرد لادارة مستقبل العمل بالشراكة مع مؤسسات اخرى، جرى توصيف هذا المسار باعتباره"Degree Inflation":ارتفاع طلب اصحاب العمل لشهادة جامعية اربع سنوات في وظائف كانت تاريخيا"متوسطة المهارة"ويمكن اداؤها عبر تدريب مهني او خبرة عملية، وهو ما يجعل سوق العمل اقل كفاءة ويضيق مسارات الترقي لفئات واسعة لا تحمل شهادة جامعية(Fuller&Raman et al.,2017).الفكرة هنا ليست ان التعليم بلا قيمة، بل ان الشهادة حين تتحول الى شرط شكلي شامل، تصبح اداة اقصاء ناعمة تتجاوز هدفها المعرفي، وتعيد انتاج التفاوت الاجتماعي عبر قنوات تبدو"محايدة"لكنها ليست كذلك.

المحور الاول:تضخم الشهادات وسوق العمل

يمكن فهم تضخم الشهادات بوصفه نتيجة مباشرة لطريقة اشتغال سوق العمل تحت ضغط المنافسة والبطالة والتغيرات التكنولوجية.عندما يرتفع عدد المتقدمين لكل فرصة عمل، يميل اصحاب العمل الى اختزال عملية الاختيار عبر"مصفاة"سهلة:الشهادة.هذه المصفاة لا تقول بالضرورة ان حامل الشهادة اكثر كفاءة، لكنها تقول انه اجتاز مسارا طويلا من الانضباط والالتزام والقدرة على اتمام متطلبات رسمية، وهي صفات يعتقد بعض اصحاب العمل انها مؤشر على"الجدية"حتى لو لم ترتبط مباشرة بالمهام اليومية للوظيفة(Fuller,2017).

 بعد الازمات الاقتصادية، خصوصا الركود الكبير 2008–2009، صار الميل الى رفع المتطلبات اكثر وضوحا:الشركات تتجه الى تقليل المخاطر، فتتوسع في الشروط الشكلية، وتستعمل الشهادة كاشارة بديلة عن تقييم المهارات فعليا، لان تقييم المهارات يتطلب وقتا وموارد وبنية تدريبية داخل المؤسسة.وهذا يفسر لماذا تزايدت حالات"رفع المؤهل"لوظائف لم تتغير طبيعتها:الوظيفة نفسها ثابتة نسبيا، لكن عدد المتقدمين اكبر، والادارة تريد تقليل عبء الفرز(HBR,2022). 

في السنوات الاخيرة ظهرت موجة"التوظيف القائم على المهارات"ووعود بخفض شروط الشهادات، لكن تقارير حديثة تشير الى ان التطبيق الفعلي ما زال متذبذبا:كثير من الشركات تعلن التحول الى المهارات، ثم تعود عمليا الى الشهادة كشرط ضمني او صريح، لان الثقافة التنظيمية وادوات التوظيف والخوارزميات الداخلية ما زالت مهيأة للفرز بالشهادة(Burning Glass Institute,2025a).ومع دخول الذكاء الاصطناعي كعامل مسرّع، ازدادت هشاشة الوظائف المدخلية(Entry-level)التي كانت سابقا مساحة لبناء الخبرة دون شهادات عليا، وهو ما يفاقم اندفاع الشباب لطلب"شهادة اعلى"كوسيلة دفاعية لا كخيار تطويري، ويغذي حلقة مفرغة:كلما ارتفع شرط الشهادة ارتفع السعي اليها، وكلما ارتفع عدد حامليها قلت قيمتها التفاضلية، فيرتفع الشرط من جديد(Burning Glass Institute,2025b).

المحور الثاني:القبول الاجتماعي وتغيير معنى النجاح

في مجتمعات كثيرة، جرى ربط"النجاح"بسردية مدرسية:ادرس، احصل على شهادة، تحظ بمكانة، ثم تحصل على وظيفة محترمة.حين تضعف قدرة السوق على الوفاء بهذه السردية، لا تنهار السردية فوريا؛ بل تتحول الى ضغط اجتماعي اشد، لان الشهادة تصبح التعويض الرمزي عن هشاشة الواقع.هنا تتقدم الشهادة بوصفها"لقبا"يمنح الاعتراف:المجتمع قد لا يضمن وظيفة، لكنه يمنحك على الاقل صفة"متعلم"و"جامعي"و"صاحب مستقبل".ومع الوقت يصبح السؤال الاجتماعي:ماذا تحمل من شهادة؟ لا:ماذا تستطيع ان تفعل؟ وهذا التحول يعيد تعريف الكفاءة نفسها:الكفاءة تصبح قابلة للتلخيص في ورقة، لا في انجاز. 

في هذا السياق، تضخم الشهادات لا ينتج فقط عن قرارات اصحاب العمل، بل عن نظام قيم كامل يربط الكرامة بالدرجة العلمية، ويهمش مسارات التعليم المهني والتقني حتى لو كانت اكثر ارتباطا بالحاجة الفعلية.المفارقة ان البيانات الدولية تذكرنا بان التعليم ما زال يحقق"عائدا"في المتوسط، لكن هذا لا يعني ان كل درجة علمية تحقق عائدا متساويا، ولا ان الزيادة في الدرجة هي دائما الطريق الافضل.تقارير منظمة التعاون والتنمية(OECD)تظهر بشكل عام ان مستويات التعليم الاعلى ترتبط بمتوسط دخل اعلى عبر دول المنظمة، لكن هذا يظل متوسطا كليا لا يلغي وجود تخصصات وقطاعات تشهد تشبعاً او ضعفا في الطلب، ولا يلغي مشكلة"عدم التطابق"بين التعليم والوظيفة(OECD,2024). 

ومن هنا يظهر بعد اجتماعي شديد الحساسية:عندما يصبح النجاح مرادفا للشهادة، تتحول الشهادة الى معيار للتمييز الطبقي ايضا، لان الوصول اليها يعتمد على موارد الاسرة والقدرة على الدفع والوقت والبيئة الداعمة.وحين يصبح"السلم الاجتماعي"مقيّدا بالشهادة، يصبح استبعاد غير الحاصلين عليها استبعادا لشرائح بعينها، حتى لو امتلكت مهارات عملية مكافئة او اعلى، وهو ما تسميه بعض النقاشات الحديثة"السقف الورقي"الذي يمنع الصعود المهني بسبب غياب الورقة لا غياب المهارة(Financial Times,2024).

المحور الثالث:تكلفة التعليم، ديونه، والاحباط النفسي لدى الشباب

عندما يقنع المجتمع شبابه بان الشهادة"استثمار مضمون"، ثم يواجهون سوقا لا يمنحهم عائدا يتناسب مع كلفة هذا الاستثمار، يتحول التعليم من مصدر تمكين الى مصدر ضغط نفسي ومالي.في الولايات المتحدة مثلا، يناقش تقرير الاحتياطي الفيدرالي حول الرفاه الاقتصادي للاسر(SHED)مسألة ديون التعليم بين الشباب، ويعرض كيف تغيرت نسب الاقتراض عبر السنوات، مع استمرار كون القروض التعليمية عاملا مؤثرا في قرارات الحياة والاستقرار المالي(Board of Governors of the Federal Reserve System,2025).وفي سياق قريب، تشير تغطيات اقتصادية حديثة الى ارتفاع اجمالي قروض الطلبة في الولايات المتحدة وعودة ضغوط التعثر بعد استئناف السداد، بما يعكس كيف يمكن للديون التعليمية ان تتحول الى عبء طويل الامد يحد من خيارات السكن والعمل وتكوين الاسرة(Reuters,2025).المعنى الاوسع هنا لا يقتصر على حالة دولة بعينها، بل على منطق عام:حين ترتفع كلفة التعليم مقارنة بعوائد وظائف الخريجين، يصبح الشباب عالقين بين خيارين احلاهما مر:اما القبول بوظيفة لا تتطلب شهادتهم(فتظهر"اللاجدوى"و"الانكسار الرمزي"بعد سنوات الدراسة)، او الاستمرار في تعليم اعلى لعلّه يحسن الفرص(فتتضاعف الكلفة وتتراكم الخيبة). 

تقارير مؤسسة Burning Glass رصدت اتساع ظاهرة"العمل دون مستوى المؤهل"لدى الخريجين الجدد، باعتبارها ظاهرة بنيوية وليست مؤقتة، ومعها يتشكل شعور واسع بان البكالوريوس وحده لم يعد كافيا كما كان يتصور كثيرون، فيتولد اندفاع الى شهادات اعلى حتى لو لم تكن مطلوبة جوهريا للمهام(Burning Glass Institute,2025b).هذه الديناميكية تولد كذلك اثرين نفسيين متلازمين:اولا شعور بالاحباط لان"الوعد الاجتماعي"لم يتحقق، وثانيا شعور بالقلق لان المستقبل يبدو سباقا لا ينتهي:كلما حصلت على درجة، ارتفع سقف المتطلبات من جديد.وحين يتكرر هذا في بيئات تعاني اصلا من بطالة مرتفعة وضعف نمو وفرص محدودة، يصبح التعليم مساحة لتكديس الاوراق اكثر من كونه مساحة لبناء مهارات قابلة للتحويل الى عمل.

خلاصة القول ان تضخم الشهادات ليس مجرد خطا في اعلانات التوظيف، بل هو نتيجة تفاعل ثلاث قوى:سوق عمل يميل الى الفرز السريع ويقلل الاستثمار في التدريب، وثقافة اجتماعية تعيد تعريف النجاح بوصفه"لقبا تعليميا"، ثم واقع اقتصادي يرفع كلفة التعليم ويخفض يقين العائد.لذلك، الاجابة عن سؤال"لماذا اصبح المطلوب شهادة اعلى لوظائف لا تتطلبها؟"ليست اجابة واحدة، بل شبكة اسباب:الشهادة صارت اداة لادارة الازدحام في سوق العمل، ورمزا للقبول الاجتماعي، وتعويضا نفسيا عن عدم اليقين، وفي الوقت نفسه صارت عبئا ماديا يفاقم هشاشة الشباب عندما لا يتطابق التعليم مع الفرصة.ومن هنا يمكن اقتراح افق عملي في نهاية الورقة:اعادة الاعتبار لمقاييس المهارة عبر اختبارات عملية ومحافظ اعمال وتدريب مدفوع، وتطوير مسارات تقنية ومهنية محترمة اجتماعيا، وتحسين شفافية اعلانات الوظائف بحيث تميّز بين"متطلبات ضرورية"و"تفضيلات"، لان استمرار التضخم يعني استمرار فقدان الشهادة لقيمتها الفعلية، واستمرار تحويل التعليم من وسيلة للعدالة الاجتماعية الى قناة جديدة لاعادة انتاجها بشكل مختلف.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
التضخم في الشهادات_ عندما تفقد الشهادة قيمتها.pdf
108.8 KB